بسم الله الرحمان الرحيم 

وصلاة وسلاما على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم يبعثون .

قارئي العزيز كيف الحال ؟

في العادة كنت سأحتفظ بتفكيري لي .فسوداويتي لا ذنب لأحد أن يبتلى بها او يطلع عليها لكن هاته المرة سأتشاركها معك لأن الأمر بالغ الأهمية ومخيف ولا يمسني وحدي .. بل يتجاوزني.. 

أفكر كيف سأصوغ كلماتي فالأمر مازال مشوشا بذهني. لكنه أمر يدفعني لرعب والخوف ورغبة شديدة في البكاء .. في العادة انا متفائلة جدا جدا .. لكني أيظا عقلانية جدا جدا لهذا كان عنوان مقالي بهاته السوداوية وصورة المقال متفائلة ... والآن ما سبب كل هاته البلبلة بذهني ؟!!

هي معلومات متفرقة إجتمعت خيوطها بذهني ودقت ناقوس الخطر فاعتصرت قلبي وجعلته ينتفض... بل وكسرت جمودي وهرولت لأكتب واشاركك ما فهمته فجأة ... بل ما أحسسته فجأة لأني وعيت على المشكل من زمن .. لكن أحسست قربه الآن ولمست خطره

النقطة الأولى 


منذ أيام كنت أستمع لمحاظرة عن سنوات التيه التي ابتلي بها اليهود والقصة التي حصلت معهم . ببساطة حين عاقبهم الله وجعلهم تائهين في الصحراء لأربعين عاما  كلما مضوا في طريق إلا  عادوا لنقطة البداية .لمكان إنطلاقهم . قال المحاضر أربعون سنة وهم تائهون وحين مضت الأربعون سنة  حينها فقط   أمرهم الله أن يحاربوا  ويدخلوا المدينة ...

تخيل معي أن الآلاف قد إختفوا من على وجه الأرض فجأة ودون سابق إنذار حتى ظنت الأمم الأخرى أنهم إندثروا وٱختفوا .لأربعين سنة لم ويعرف عنهم شيئا ولم يسمع خبرهم ولم يرهم أحد ...

أتعلم لم تحديدا  بعد أربعين سنة خرجوا لناس وعادوا للعالم؟!!!ليس 39 أو 50 أو 10 سنوات .بل أربعون سنة كاملة؟!!! قال المحاضر لأن كل أربعين سنة يأتي جيل جديد تماما .

فحين مات كل من عبد العجل وتكوّن جيل آخر جديد فقط وقتها سمح الله لهم أن يحاربوا ورفع عنهم لعنة التيه وعادوا للظهور.

هنا فكرت ... ألم تنزل الرسالة على سيدنا محمد؟عليه أفضل  الصلاة والسلام وهو في سن الأربعين؟الأمر معقول إذن. خلق جيل جديد سينشأ على سماع نبوته ويتعودها  وحين يكبر يؤمن بها ..وهذا فعلا ما حدث!

إذن 

تذكر هذه المعلومة قارئي ... فهو ما جعل قلبي يرتعب 

وستعرف السبب لاحقا .

كل أربعين سنة يأتي جيل جديد .


النقطة الثانية 

كنت أقرئ مقالاعن الأكل البائت وعلاقته بزوال النعم 

إرتعبت 

يقول كاتب المقال (وأنقله لكم بتصرف)

 أن الصومال كان دولة فيها من الفلاحة والخير والأغنام والبقر  ما طمرها بالنعم.لقد كانت دولة شبه غنية (وربما وقتها تعتبر دولة غنية جدا ) 

ووصل الأمر بأهلها إلى البطر!!! حتى أن الرجل ينهض صباحا ويريد أن يفطر فيذبح كبشا يأخذ فقط منه   الكبد يأكله  ويلقي الباقي في القمامة !!!

فٱبتلاهم الله بالفقر لدرجة لا يجدون معها اللقمة .. وماتوا من الجوع والمرض والمجاعات ... 

يقول كاتب سوري 

إن العراق كان دولة غنية حتى أن الرجل ينهض من على مائدته فيلقي بما تبقى منها  في القمامة .

لدرجة إنه إختفى من عندهم مصطلح الأكل البائت.. حينها إبتلاهم الله بحصار دام لعشر سنين ... فصاروا يأكلون الخبز الأسود اليابس ولا يجدونه أحيانا .... ومات لهم مليونا طفل من المرض والفقر ..

يقول ولما صرت أرى ببلدي دمشق الخبز بكثرة في حاويات القمامة 

ورأيت إمرأة فقيرة سقط منها رغيف الخبز فتركته وأكملت طريقها ...

ورأيت رجلا يبعد ما سقط من أكله بطرف قدمه!!

يقول الكاتب بل إني رأيت بعيني رجلا يلمع حذاءه بالخبز الأبيض ويمسحه به...

 وحين بلغ الهدر مستويات مخيفة في بلدي 

أيقنت حينها أننا مقبلون على سنوات سنشتهي فيهن تلك الخبزات البيظاء 😭😭😭

وهذا ما حدث فعلا قارئي العزيز.ابتلي البلد الذي كان يوما قبلة الزوار ووجها من وجوه الجمال بحرب هجرت أهله  وأفقرتهم وجعلتهم يفرون منه... وربي يزيل هاته الغمة عنهم وعن الأمة الإسلامية ...


قارئي العزيز .لا أخفيك أني إرتعب . وارتجفت و أكاد أنفجر باكية.. فلك أن تتخيل مستويات الهدر ببلدي ... 

نحن نتأرجح بين حرفيا ناس تأكل من القمامة .تنتظر آخر السوق لتجمع الفواضل وما ألقاه الباعة في القمامة ... نتأرجح بين ناس تلتقط الحب الساقط من الأرض حبة حبة عسى أن تجمع ما يكفيها لصنع رغيف خبز ... وبين ناس تخزن الأكل  وتلقيه نظيفا في أكياس ال10كلغ وأكثر لأنها لم تأكله وملت وجوده فتلقيه في القمامة..  

هذا غير الأكل اليومي... 

نحن لا  نلقي  فقط الأكل والخبز الأبيض الجديد في القمامة بل حين يأتي قط جائع لأكله نضع له سم الفئران لأنه أزعجنا ونكلم البلدية لتقتل الكلب المشرد الجائع لأنه ليس مشهدا حضاريا نبشه للقمامة... 

يعني ليس فقط نمارس الظلم بل قمته ...وأحيانا يطرق ببابنا السائل ليس فقط نرده بل نطرده و نهينه  ...

تذكرت حينها قصة كنت قرأتها من مدة عن تلك  اليهودية التي  أخذت قطعة خبز ومسحت بها قذارة إبنها ليستنجي بها  وخبأتها  في جحر.  فٱبتلاها الله بالفقر والجوع لدرجة لم تجد الخبز العفن لتأكله.وعادت تبحث عن قطعة الخبز تلك بعد زماان وأكلتها ...

إن الله ينتقم لنعمه بإزالتها .وإن زالت عن قوم لا تعود فيهم أبدا ... 

تذكر معي هاته النقطة قارئي ... 

من لم يوقر نعم الله إنتقم منه الله بحرمانه منها ..  

أليس مؤشرا يدعو  للقلق ؟بل للخوف والرعب ؟هنا لا تخلو قمامة من نعم الله ... بأنواعها .. وقلة قليلة من يضعون الأكل للحيوان ...

بلإن من يظن نفسه طيبا   يكذب على نفسه  ليواصل  إراحتها من أي مسؤولية .. فيلقي ما فات وقته وما صار عفنا على الطعام الجديد ويلقيه  للحيوانات بكل ما فيه من بهارات حارة لا تؤكل لهم.ثم يقول لك إن الحيوان يتكبر ولا يأكل .. والمسكين ما عاد لسانه المهترئ والمجروح من الزجاج المكسور والبرطمانات الحادة قابلا لكل ذلك العفن  والمرق الحار .. وصارت معدته ترهقه... 

قارئي 

ماذا لو غسلنا الأرز وقطعنا بواقي الخضار ؟ماذا فيها؟!! فٱلقط غير قادر على قطع البطاطا كبيرة الحجم أو الجزر ... ليس له قواطع مثلنا ... 

ماذا فيها لو أخذنا دقيقة من وقتنا قسمنا الأكل بعد غسله من كل ذلك الفلفل والمرق؟ ثم نضعه جانبا لمن له دجاج؟

العلف في بلدي صار يباع خلسة وفي السوق السوداء ومخلوطا بالتراب ليزن أكثر.

العلف صار يباع بالمعارف. وبالوجوه.. والحيوان الأبكم يموت جوعا ولا يجد الفلاح البسيط مورد رزق له... 

فحتى لو وفر المال لإطعامه ما عاد يجد ما يشتريه له ..

ماذا لو وضعنا بواقي الخضر من قشور بطاطا و بواقي غلال ... وقشور بصل وقرع ... إلخ في كيس ووضعتهم جانبا؟ لي جار فقير  يملك نعجتان وكبش.. وبالنسبة له ما نتبرع له من بواقي خضر وغلال يحل له أزمة يومية ... 

لا تحتقر من المعروف شيئا .. صدقني كل يوم أجد الكيس إمتلئ عن آخره ونحن عائلة بثلاث أفراد فقط ... تخيل لو جارتان أو ثلاث تفعلن ذلك ... سيجد مؤونة يومه لحيواناته...

فما العيب أن نفعل ذلك؟

جدتي كانت تقول لي رحمها الله إن من يلقي نعم الله على الأرض  ويحتقرها ولا يلتقطها فإن النعم تدعو الله بدعاء اللهم قلِّل!!

وهكذا تقل النعم وتقل حتى تختفي وتزول!!

وأين هي جدتي. الآن .!!رحمها الله 

وزدت إرتعبت!!!

وهاته هي النقطة الثالثة 

ماتت جدتي .. وجدي وأجدادي كلهم رحمهم الله وكل جدات وأجداد من هم في جيلي إلا قلة قليلة .. الجيران مات أغلبهم من الجيل الكبير في السن ..بل ماعاد منهم أحد نعرفه من الشيوخ ... ومات الآن معظم أبناءهم ! أي ان الدور الآن على الآباء وبدأ الموت يحصد ذلك الجيل أيظا!

كنت أحزن بشدة حين يموت شخص كبير في السن ..ليس حزني على شخص فارق الحياة .. بل حزني على بركة رحلت .. جيل الأجداد بركة ودعوة خير ونصح وفأل حسن 

من منا اليوم تسمعه مجانا يدعو لك بالخير؟كان لسان جداتنا لا يسكت عن دعاء الخير لك منذ تجلس بجانبها 

كنا حين نلتقي مسنا غريبا يدعو لك كمن يدعو لأطفاله.بالخير والبركة والعمر والحظ...

اين نحن منهم؟؟؟  ماعدت تسمع دعوة خير لا بظهر غيب ولا في وجهك... أحيانا بالكاد نرد السلام ونحيي المارة.

أين وصلنا!!!!

زالت البركة في الوقت والعمر والمال والصحة و الأبناء والبناء ...وكثر الهم والغم ..وكله بسبب إنقطاع دعاء الخير 

لقد كان الدعاء يرد عنا البلاء فأفعالنا من تبذير وظلم لا تحتملها جبال...

وهكذا كلما سمعت بموت شخص عجوز أحزن .. فمنارة خير إنطفأت وصاحب دعوة رحل .. ودافع نقم وبلاء تركنا أمام مصيرنا وتقصيرنا 

النقطة الرابعة 

أنا من جيل الثمانينات وماذا بقي على الأربعين؟!!!

يعني جيل جديد 

ربما معه فرج أو هم 

.مؤشرات لا تبشر بخير  سيختفي أصحاب البركة ونواجه مصيرنا ...فإن لم نلحق أنفسنا برد البلاء ودفعه بالدعاء فلن ننجو 

إن لم نعظم نعم الله ونقيدها بالشكر ونحفظها فلن تحفظنا.   

إن لم نرحم أنفسنا فلن نرحم ..فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .. 

نحن على حافة الإبتلاء  ليس فقط بفقر بل بٱختفاءها ...ولست هنا أحكي عن الأخلاق و المعاصي التي هي في حد ذاتها طامة بل عن التبذير والهدر واحتقار النعم .. 

إني والله أشعر بخوف شديد ..ولست أخاف على بني جنسي فنحن نستحق بل بما سنشهده من ظلم للحيوان الأبكم الذي وفي سنوات تبذيرنا لم نرحمه فما بالك بسنوات عجاف. ذلك ألم أخاف مواجهته لأنه سيقابل بعجز مني. 

هل فهمت الآن سبب رعبي قارئي؟ إن تغير الجيل يعني تغير الحال 

كنا جيلا يقبل الخبز إن سقط من يده ويأكله ... وكان الخير 

فصرنا جيلا يلقيه في القمامة 

وماذا بعد!!!

ومابالك بجيل اليوم ؟!!!!

فاللهم إجعل لنا من كل هم فرج ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية .آمين


أحبكم في الله 

أنا الوئام