الحاجة الغريزية لمعرفة آليات دفاع لمنع فعل شروري ما تدفع بالعقل الواعي إلى أن يبحث في الأسباب المؤدية له وأصل هذا الفعل وكيف يمكن إيجاد ترياق لإنقاذ الإنسان من دوافع اللاوعي . هذه الأسئلة في كثير من الأحيان شاقّة جداً لذا يحاول الإنسان تعويض هذا العجز الفكري وهذا بدوره يفتح آفاق أكبر وتساؤلات أعظم ... لعلّ نيتشه لم يكن حكيماً حينما قال " تريد ألما أقل انكمش إذاً وكن جزء من القطيع " ذلك لأن التبعية لا تقلل ألم ولا تصنع سعادة على العكس تماماً هي تقيد الإنسان بقيود صعبة الكسر وتجعله يتقوقع في عالم خالي من الفيالق الفكرية وأبواب المعرفة ، تقتل روح الابداع فيه وتجعله يرضخ لألمه وحزنه أياً كان مسمياً ذلك قدر لا يمكن تغييره . في ظاهر الأمر قد يبدو ذلك مريحاً بعض الشيء في طور هذا الانفتاح العظيم للتساؤلات الوجودية العميقة التي تحتّم على الإنسان البحث في أجوبتها . فكرة أن نكون ضمن القطيع وأخذها ثقباً للنجاة لتقليل الآلام يجب أن تقتلع وتباد لأنها تؤدي اعتماد التبعية كحالة أصل وخلق مجتمع غير منتج ، عقول برمة غير منفتحة على هذه الفيالق الفكرية العظيمة وهذا الكم الهائل من المعرفة .. التحرر الفردي هو البداية للتحرر الجمعي والذي بدوره يعزز كل محاولات الإنسان الفردية للتحرر لتنتهي هذه المحاولات إلى تشجيع حضور العقل الحر الصانع لواقع الإنسان رائد الكلمة الحرة المهيمن على ذاته وعلى أفكاره . يبدأ تحرر الإنسان بكسر كل القيود التي تجعله عاجز عن التحليق في عوالم الإبداع والتفكير الناقد . حيث يعرف كانط التنوير بأنه " خروج الإنسان من حالة القصور العقلي " ومعنى ذلك أن يمتلك الانسان الشجاعة للتحرر من كل القيود والمسلمات الفكرية ويضعها تحت النقد والتحليل والتقليب من كل الجوانب وسحق عظام الديناصورات الفكرية المهيمنة عليه واستخدام عقله وفكره على أوسع نطاق ممكن ، ولا سيما أن المتنبي قبل أكثر من ألف عام أكد بصورة حقيقية وجلية على مركزية العقل في تحقيق ماهية الإنسان .