عنوانُ مقالتي هذه - عزيزي القارئ – لم يعُد غريبًا على أسماعِنا في هذه الفترة من الزمن؛ في زمنٍ ما قد مضى كانت هناك أحداثٌ وحروبٌ وآمالٌ لجدودِنا آنذاك...ولكنّها آمالٌ غير الآمال، وفكرٌ غير الفِكر، وعصرٌ غير العصر...لا أُلمّح إلى فكرةٍ قد تفهم منها أنِّي أشيدُ بالعصور الماضيةِ جاهلًا ما قد حدثَ في عصرنا...ليست تلك هي الفكرة التي ستمهّد نفسك لها لتُكمل معي لُغزَ مفهوم النجاحِ وإلى أيّ مدى قد تبدَّل وسيتبدّلُ في عصورٍ آتية.

جُبلَ الإنسان في قديمِ الزمانِ على فكرةِ وجودِ شيءٍ ماديٍ لا بد أن ينجحَ فيهِ ويَحيَا لأجلِه، خُلقَ الإنسانٍ بأطماعٍ وشهواتٍ وطموحاتٍ لا مفرَّ منها...وإذا وجدت نفسكَ بلا أطماعٍ وشهواتٍ فأنت لستَ إنسانًا سويًّا، إذِ العيب ليس في تملّك الشهوات والأطماعِ منك، ولكنَّ العيبَ هو أن تحيَا كالبهائم دونما شيء حقيقيٍ تَحيا فيِه ولَه..

وإنّي والله لأميلُ إلى صاحب الأطماعِ اليّقِظ، المتقد فكره وعقله..أكثرَ من ذِي العقلِ البليدِ العاجز عن التفكير.

ولكن..

لم أكتبُ تلك المقالةِ لأتكلم فيما تكلَّم عنه آخرون، ولا لأتكلَّمَ عن وقودِ النجاحِ وكيف تسعى وكيف تنهضُ بعد السقوطِ وكيف تتحمّل ضرباتَ الآخرين لتصنعَ كنزًا في الدنيا تورّثهُ لأقاربك، ثم تمُت، فتُصاب بحقيقةِ أنَّ كل ما نِلتهُ من شهرةٍ ومالٍ ومدحٍ من الناسِ..كان هذا كله هو فقط جزاؤك في الدنيا ووعدُ اللهِ لكَ بأن ليس للإنسانِ إلا ما سعى..!

كانَ سعيُك للدنيا، وقد أتتكَ الدنيا..كان سعيُك لأطماعٍ وشهواتٍ، وقد أتتكَ تلك الأطماع والشَّهواتِ ولم تخلف وعدها معك.

فلستُ هنا لأتكلم عن هذه..المنطقُ يقول أنَّ الخالقَ العظيم لم يخلقنا لعمارةِ الأرض فقط، بل خلقَ الجنَّ والإنسَ ليعبدوه..خَلقَنا بشهواتٍ..وبإرادة..فمَن ثقُل ميزان إرادتهِ تغلَّب على أطماع الدنيا وشهواتِها، ومن ثقُل ميزانُ شهواته غلبَت شهواتُه إِرادَتَه!

إذ تلك المنظومة الجسدية قد خُلِقت بتنظيمٍ وقدرةٍ عجيبة؛ فكما خُلِق فيها ما يجعلُ الإنسان قادرًا على عمارة الأرض بفكره وجَسده، خُلِقَ فيها أيضًا ما يقوم بتعطيلِ تلك القدرةِ وتحويلِهِ إلى بهيمةٍ تأكل وتشربُ وتمارسُ الجِنس..!

مِن هنا وبمنطقِ العقلاءِ نُدرك أن مفهوم النجاحِ... هو بتسخيرِ كلِّ ما على الأرضِ وما أتيحَ لنا في زماننا لخدمةِ استمراريتِنا في عبادةِ اللهِ...لم يأمرنا الله بأن نغلقَ أبوابنا ونتصوف أبد الدهرِ نصلي ونصوم وفقط...وهؤلاءِ المُضلّون الذين يروّجون فكرةَ أنَّ الدين انغلاقٌ لا يُبيحُ التلذذ بالدنيا فهم ضعفاء غير قادرين على الالتزام بتعاليمِ اللهِ فأوهموا أنفسهم والآخرين بعبثية الدين..

إذ لا شكَّ أنَّ المُعضلةَ الحقيقيةَ تكمنُ في فكرِ هذا الجيل..إمَّا رجلٌ لا يتركُ أمرًا من أوامر الله ولكنَّه يرى الناسَ بعيني العابدِ المتكبر بعبادته فاستحقرَ الناس تِباعًا، وإمَّا رجل جاهلٌ بالدين فحاربهُ بجهلهِ مقتنعًا أن النجاحَ هو الوصول لأول مليون جنيه أو تأسيس أكبر شركةٍ مثلًا..

قليلون هؤلاء الذين أبصَروا حقيقةَ النجاحِ فسعوا في الأرضِ ولكنهم لم ينسوا ما خُلِقوا لأجلِه، لم ينسوا أنَّ النجاحَ الحقيقيِّ هو تأسيس مكانٍ ولو صغيرٍ في جَنةِ اللهِ..

ولا أنسى ما كتبهُ الدكتور عبد الوهاب المسيري – رحمه الله – في كتابِه: "رحلتي الفكرية":

"وقد تعلمتُ من هذه التجارب أن النجاحَ والفشل في الحياة العامة حسب المعايير السائدة ليس بالضرورة حكمًا مُصيبًا أو نهائيًا، وأنَّ الإنسان قد يفشل بالمعايير السائدة، ولكنه قد ينجح بمعايير أكثر أصالة وإبداعًا"

فهذا نجاحٌ وهذا نجاحٌ...ولكنَّ مفهومه عائدٌ لكَ عزيزي المخلوق، فما عندي قد يكون نجاحًا وَفقَ مفهومي، وما عندك قد يكون نجاحًا وَفقَ مفهومك وفلسفتِك في الحياةِ على الأرض..

ولكن ثمة فرق كبيرٌ بين بهيمةٍ خُلِقت ووجدت نفسها تأكل وتشربُ دون عقلٍ يضبطُ تصرفاتِها، وبين إنسانٍ كرَّمهُ الله بالعقلِ ليبحث ويقرأ ويعرفَ قبل أن يقوم بأي عملٍ أو يتبنَّى أيَّ مُعتقَدٍ قد يكون خاطئًا تمامًا..إذ لنا الاختيار يا صديقي؛ إمَّا أن نبحثَ عن الأمورِ من أبوابِها قبل أن نقررَ فيما سننجح، أو نحيَا كالبهائم نفعلُ مثل ما يفعلُ مَن حولنا دونما فهم وإدراك..