----((خطورة الحسد))----

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه:

لقد ظهر في هذا العصر ظاهرة خطيرة عظيمة وهي من أخلاق اليهود وهو خلق مذموم جدا وهي ظاهرة الحسد . والحسد معروف من القديم وقد ذكره الله عز وجل في القرآن وأنكر و حذر عز وجل منه ونهانا وزجرنا أن نكون من الذين يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله كما قال الله تعالى-:{أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد أتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وأتيناهم ملكا عظيما فمنهم من ءامن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا} قال المفسرون :حسد اليهود محمد صلى الله عليه و سلم على النبوة ، وحسدوا الصحابة  رضي الله عنهم على القرآن ، وحسدوا المسلمين على الإسلام. وقال تعالى-:{ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما كسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله....}الآية.فنهى الله تعالى عن النظر إلى ما عند الغير من النعم سواء العلم والحكمة أو المال أو الملك أو الأزواج أو الأولاد أو غير ذلك من النعم ورشدنا إلى سؤال الله سبحانه من فضله وهو الكريم الواسع والله سبحانه واسع الفضل.

وجاء في السنة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :"لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا". وأخبر أن من أفضل الناس من كان قبله نقيا من الحسد فقد سئل : صلى الله عليه و سلم عن أفضل المؤمنين فقال:"كل مؤمن مخموم القلب صدوق اللسان". قالوا: يا رسول قد علمنا صدوق اللسان فما مخموم القلب؟! قال :"هو التقي النقي لا إثم فيه ولا غل ولا حسد".فمن كان قبله نقيا فهو من أفضل المؤمنين.

وأيضا: من كان في قلبه حسدا فهو ضعيف الإيمان كما قال صلى الله عليه و سلم:"لا يجتمع في قلب العبد : الإيمان والحسد". والحسد من أمراض القلوب وصفاته المذمومة فيجب على المسلم والمؤمن ألا يكون حسودا فيجتهد في نفي الحسد عن نفسه فمن رأى من نفسه أن فيه حسد فيستعذ بالله من شر قلبه ونفسه وليتعوذ بالله من الشيطان فإن الشيطان هو الذي يستدرج العبد حتى يوقعه في الحسد والبخل بنعم الله تعالى على عباده.

والنبي صلى الله عليه و سلم أرشدنا أنه لا ينبغي أن يحسد أحدا إلا على أمور اثنين وهما: الإنفاق في سبيل الله عز وجل، وتعليم العلم. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :"لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته بالحق ورجل أتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها".متفق عليه. وليس الحسد هنا الحسد المحرم الذي هو تمني زوال النعمة بل المراد هو الغبطة ومعناها تمني مثل ما للمنعم عليه دون تمني زوالها.

والحسد يكثر عند ظهور النعم وخاصة في المدن والقرى أما الأرياف فلا يكثر فيها الحسد لكن ليس هذا على إطلاقها فقد يكون في الأرياف من الحسد أعظم مما في القرى ، كما قال امام مالك يوصي تلميذه الشافعي:" لا تسكن الأرياف فيذهب علمك".

وهذا لكثرة الحسد في الأرياف.

فينبغي للمؤمن أن يتنزه عن هذا الخلق الذميم وأن يحذر أيضا: من الحساد فإنهم قد كثروا جدا في هذا العصر وكثروا أيضا:الحساد - الذين يصيبون الناس ويؤذونهم بأعينهم- كثيرا.

وخاصة في المدن .

والله إنها نقمة ومقت من الله عز وجل وربما يقتل مسلما من أمة محمد صلى الله عليه و سلم بسبب العين والحسد وحقا فقد قال صلى الله عليه و سلم :"أكثر من يموت من أمتي بالنفس".  وفي رواية :" بالعين ".وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أن الحاسد يسجن من قبل السلطان ومن عرف أنه يأذي بعينه فإنه يسجن حتى يتوب.

وقالوا:إذا أقر الحاسد أنه قتل أحدا بعينه فإنه يقتل به حدا".

والحاسد يجب الحذر والتحذير منه وأن يجنب ويجتنب.

وينبغي للعبد أن يخفي النعمة عن الناس وخاصة من عرف أنه يؤذي بعينه وأن يقضي حوائجه في السر والكتمان ، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم:"اقضوا حوائجكم في السر والكتمان فإن كل ذي نعمة محسود".

ويجب على الحاسد أمورا لكي ينفي عن نفسه الحسد منها:

الأول:أن يعلم أنه مريض بهذا المرض وإلا فإنه لا ينتفع بالأسباب ويجب عليه أن يريد أن يذهب عنه هذا الداء.

الثاني:أن يكثر من الدعاء فيسأل الله تعالى أن يذهب عنه داء الحسد وأن يطهر قلبه و"إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء"كما قال النبي صلى الله عليه و سلم.

الثالث:أن يجتهد في زيادة الإيمان فإن الإيمان القوي يمنع صاحبه من الحسد كما مر في الحديث.

الرابع :أن يجتهد أن يفعل مثل ما فعل آخر ويسعى في تحصيل العلم والحكمة والمال والملك وذلك ميسور على كل الناس وخاصة في هذا العصر الذي فتح الله سبحانه وتعالى على عباده من كل النعم.

الرابع :أن يرضى بقسمة الله تعالى على عباده فلا يسخط قسمة الله تعالى على عباده ولا يعترض عل قضاء الله تعالى.

الخامس:أن يدع بالبركة كلما رأى نعمة عند أخيه المسلم ، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم:"إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو ولده أو أخيه ما يعجبه فليبرك عليه فإن العين حق".

السادس والأخير :أن يعلم أن هذا بلاء ونقمة ومقت من الله عز وجل فليجتهد أن ينفي عن نفسه هذا البلاء ولا يرضاه فإنه يعرض نفسه لسخط الله تعالى وعقابه.

وأعلم أن سلامة القلب من الحسد له منافع كثيرة منها :أنه ينجو من عذاب الله تعالى يوم القيامة كما قال الله تعالى-:{يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}

ومنها: أن القلب السليم على إخوانه المسلمين في جنة عاجلة ونعيم قبل الآخرة.

ومنها:أن ترك الحسد و سلامة القلب منه سبب كبير في طول العمر ، كما جاء عن بعض السلف أنه سئل:كيف طال عمرك؟! فقال: تركت الحسد فطال عمري" أو كما قال رحمه الله تعالى.

ومنها:أن سلامة القلب من الحسد سبب لراحة البال وصفاء الذهن لأن الحسود في غم وهم دائم لازم ، كما قال الحسن البصري رحمة الله عليه :ما رأيت ظالما أشبه بالمظلوم من الحاسد هم دائم وغم لازم. نسأل الله تعالى السلامة والعافية.

منها:أنه من أسباب نيل العلم والنبوغ فيه فإن العلم لا يصلح إلا في القلب النقي الصافي . كما قيل: يصلح العلم في القلب كما يصلح الغرس في الأرض الطيبة ويأبى الله تعالى أن يضع علمه في قلب فيه حسد وكما قيل: الحسود لا يسود.

لطيفة:

قال الإمام محمد بن سرين رحمة الله عليه: ما حسدت أحدا من أمر الدنيا إن كان كافرا كيف أحسده وهو صائر إلى النار وإن كان مسلما كيف أحسده وهو صائر إلى الجنة".

وأخيرا يجب على المسلم أن يجتنب الحسد فإنه خلق مذموم وصفة ذميمة توجب سخط الرب عز وجل وعقابه والحاسد مخروم المروءة التي هي كمال الرجولة وليس من أخلاق الرجال أهل الشهامة والمروءة أن يكونوا حاسدين.

وسلامة القلب مما يتنافس فيها أهل الخير والصلاح والمنازل العاليات . والله المستعان وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

وكتبه

أخوكم ومحبكم في الله عز وجل

أبو عبد الله

صابر ترزي

العنابي الجزائري.

27شوال سنة 1441من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم

والموافق ل19جوان 2020م.

البلدة عنابة

الجزائر.