-أُحبُّ قِصّةَ سيِّدِنا موسى عليه السلام ")

في أحدِ المرات كان في مَديَن ووجد امرأتين تذودان أي تَكُفّانِ أغنامهما وتمنعانهم عن مزاحمةِ الآخرين، فقرَّرَ أن يسقِيَ لهما شهامةً وكرمًا

لَفتت نظري كثيراً الطريقة التي سقى بها لهما- عليه السلام- ثم مباشرةً تولى إلى الظل، لم ينتظر منهما ثناءًا ولا شكرًا، ولم يحاول اختلاقَ حديثٍ أو طلبِ أجرٍ مثلًا 

"ثُمّ تولَّى إلى الظِلّ.." : ما أجملَ تصويرَ القرآن للقَصص!

وهذه القصة ككُلِّ سُوَرِ القرآن لم تَرد هكذا اعتباطًا، بل لنعتَبِرَ بها ونستضيءَ بِنورِها في حياتنا هذه

فكرة (وجود عملٍ صالحٍ لا يُرجى بِه إلا وجهُ الله تباركَ وتعالى، ولا يُهمُّ إن رآهُ الناسُ أم لا) لمست قلبي، فأحببتُ أن أُشارِكك هذه الفائدة:

لا تدَع يومًا يَمرّ عليك دون أن تتسائل: ما خطبُكما، ما خطبُ.. ؟ وأكمِل النقاط باسمِ من يحتاجُ عونًا!

قد يكونُ شخصًا فقيرًا فتتصدَّقَ عليه في خفاء، مُحتسبًا الأجرَ بِفعلِك هذا رجاءَ أن تكونَ: ".. رجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمالُه ما تُنفِق يمينُه.. " فتكونَ مِنَ السبعة الذين يُظلُّهُم الله في ظلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظلّه

وقد يكونُ صديقٌ لك يمرُّ بضيقٍ فتدعو الله في جوفِ الليل أن يكشِفَ عنهُ ضيقَه

وقد يكونُ هذا المُحتاجُ هو أنت، ومَن مِنّا لا يحتاجُ إلى توفيقِ ربه - جل وعلا - وعَونِه ومحبته له؟ ")

صدِّقني لهذا الشعور - عبادة الخفاء - حلاوةٌ في النفسِ لا يجدُها إلا مَن جرَّبها

اجعل لك خبيئةً بينك وبين الله تعالى لا يعلمُ بها أحد، ولا يَكُن قصدُك من ذلك نَيلَ الإعجابِ والثناءِ من الناس، ولا الحصول على أجرٍ مُقابِل ما قدمت، وجاهِد بِصدقٍ كي لا يرى أحدٌ عملكَ هذا!

بل حتى لو كُنتَ مُحتاجًا لمردودٍ مادّيٍ أو معنوي، فافعل كما فعلَ موسى عليه السلام، الجأ إلى ربك، ادعُهُ واطلُب منه! "قال رب إني لما أنزلت إليَّ مِن خَيرٍ فقير"

ومن اللافتِ للاهتمامِ هُنا أيضًا أن موسى عليه السلام لم يمنعهُ احتياحُه وفقرُه في ذلك الوقت مِن مدِّ يدِ العون للمحتاج!

فلا تبخَل بمعروفٍ تستطيعُ تأدِيَته مهما كانت حالُك.


ولنتأمل في صورة من صور الخبيئة عند سلَفِ أُمّتِنا الصالح، يتمثلُ فيها الإخلاصُ واضحًا جليًا:

بقي داود بن أبي هند يصوم أربعين سنةً دون أن يعلم بصيامه أهل بيته؛ حيث كان يحمل طعامه من البيت صباحاً فيتصدّق به، ثمّ يرجع عند العشاء إلى أهله، فيفطر معهم!

وكان بشر بن الحارث -رحمه الله- يقول: إنّ رجلاً يحبّ أن يُعرف بين الناس، لا يمكن أن يجد حلاوة الآخرة

ولنُذكّر أنفُسنا دائمًا بقولِ الإمام بن قيم رحمه الله: "ذنوبُ الخلوات هي أصلُ الانتكاسات، وعبادات الخلوات هي أعظم أسباب الثبات"

وفي الحديثِ عن فوائدِ وجودِ خبيئةٍ بيننا وبين ربنا تبارك وتعالى يقول الإمام مالك رحمه الله : مَن أحب أن يُفتَح له فُرجة في قلبه ، وينجو من غمرات الموت ، وأهوال يوم القيامة ؛ فليكن في عمله في السر أكثر منه في العلانية.

وجود خبيئة بيننا وبين الله تعالى، هي من مُتَع الحياة في الحقيقة، ومن أجمل ما يمكن أن يُشعِرَ المرء بحلاوةِ ودِفءِ الصلةِ بينه وبين ربِّه

فلا تنسَ - في زحمةِ الحياةِ هذه - أن تأوي كل يومٍ ولو للحظاتٍ إلى كهفِ خبيئتِك.. لعلها المُنجية : )