قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا

كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي

يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا

إن دَور المُعلم في تربية الأجيال لا يقل أهمية عن دور الأب والأم. على مر العصور والأزمان كان ومازال دَور المُعلم مكملًا لدور الأُسرة، حينما كان المُعلم كل غَايته وهدفه إخراج أَجيال تَعرف هُويتها ومهمتها في نَهضة المُجتمع والأُمة، بل رِجال تَصنع الأمجاد وتبني الحَضَارات.

ومما لا شك فيه ولا يَخفي على أحد أن مكانة المُعلم قد تدهورت بشكل فَج في عصرنا الحالي، ولم تَعُد مكانة المُعلم هي المكانة المعهودة التي تربينا عليها، لقد كان الأب في المنزل والمُعلم في المدرسة رَمزين للإجلال والتوقير والاحترام.

ومما جعلني أَشعر بالضيق والألم لِما نحن فيه الآن أني كنت قد قرأت في مُذكرات دكتور "نجيب الكيلاني" يتحدث فيها عن واقعة قد حدثت حين كان طالبًا في المدرسة الثانوية حيث كان معه في المدرسة طالب كان سكرتير اللجنة الوَفدية للطلبة بمحافظة الغربية، وكان طالبا مُتكبرا ومَغرورا، ذات يوم أَمرهُ أحد مُدرسي اللغة الإنجليزية العودة إلى فصله فلم يَمتثل الطالب لأمر المُدرس وحًدثت مُشادة كانت نتيجتها للأسف أن الطالب ضرب أُستاذه بالكتب التي كانت معه، ثَارت ثائرة المُدرس وهدد بالإستقالة إذا لم يُفصل الطالب.

ما حدث بعد ذلك هو ما أثبت أن مكانة المدرس في هذه الفترة كانت لا تُضاهيها أي مكانة آخرى، انضم له زملائه المدرسون وامتنعون عن إلقاء الدروس، ليس هذا فحسب بل قدموا استقالاتهم تضامًا مع زميلهم، وصل الأمر بالطالب أن قال " ولا الملك فاروق نفسه يستطيع أن يصدر قرار بفصلي"


وظلت المدرسة بلا عمل لمدة يومين، وكان وزير المعارف وقتها دكتور "طه حسين" ١٩٥١ غضب غضبًا شديدًا مما فعله الطالب، وخاطب سكرتير حزب الوفد "فؤاد باشا" بشأن تَصرف هذا الطالب الذي ينبو عن الذوق والأخلاق وصمم على فصل الطالب واقتنع فؤاد باشا وصدر قرار بفصل الطالب لمدة عامين عاد بعدها كسيرًا حزينًا إلى قريته ليتلقى أقسى درس في حياته.

هذه الواقعة إن دلت فإنما تدل على أن قيمة المُدرس ومكانته كانت أَكبر من مكانة الطالب والمدرسة والأَحزاب في ذلك الوقت، وبصرف النظر عن سلوك الطالب السيء، فلم يكن ذلك قاعدة عامة أو سلوك عام كما في وقتنا الحالي، بل كان سلوك فردي لم يرضى به أي أحد وقتها، ولم يتضامن أحد مع الطالب ولا حتى زملائه، ذلك عندما كان هناك ذوق عام، وليس ما نعيشه ونلمسه في واقعنا الآن.