كانت تُسمى رُقية
أذكر اسمها جيدًا ..
تلك الفتاة التي مررت بجانبها ذات يوم _في الإقامة الجامعية_.و كانت ترتل كلام الله بصوت عذب شجي يَهُـز أوتـار الفـؤاد و يُـورِق من دَهـاليزه باليَـاسمين و القرنفل ..كأنها لؤلؤ مكنون من لآلئ الجنة ..
أنصتُ للتلاوة بتَلابِيب خاطري .. و أندهش من جمالها و دقتها و سلاستها و ملامستها اعماق الألباب
و كيف يفعل الصوتُ القرآني كل هذا ؟
أي عظمة و أي جلال !!
و إن تلاوات نضيرة هذه أسلمَ بها الكثير و رقَ بها قلوب جمّة
و إن هذا والله من إعجاز القرآن و سِحر بيانه

تذكرتُ قصة صحابيٍ جليل كان مولعًا بالقرآن الكريم منذ أن سمعه من مصعب بن عمير، فكان يقرأه بصوت رخيم وتلاوة عذبة، حتى أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول له: "إقرأ فقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".

"إنه أُسَيد بن حضير .. وله مع قراءة القرآن قصة عجيبة .. ففى إحدى الليالى أراد أن يحييها بقراءة القرآن وبجانبه صغيره "يحيى" وفرسته التى أعدها للجهاد مربوطة بجانبه، وبدأ فى قراءة سورة البقرة، فما أن قال: {ألم .. ذلك الكتابُ لا ريب فيه هدىً للمتقين .. الذين يؤمنون بالغيبِ ويقيمون الصلاةَ ومما رزقناهم ينفقون}. حتى هاجت فرسه وجالت حتى كادت تقطع الحبل الذى يربطها، فخاف على ولده يحيى أن تدوسه الفرس فسكت أسيد .. فسكنت الفرس.

ثم عاود القراءة: {أولـئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون}.. فهاجت الفرس مرة أخرى وجالت أكثر من ذى قبل، فخاف على ولده يحيى فتوقف عن القراءة، فسكنت الفرس.

وجرب القراءة مرة ثالثة فحدث مثلما حدث، فذهب إلى ابنه الراقد بجانبه وحمله وحينها رفع بصره إلى السماء فرأى غمامة كالمظلة لم تر العين أروع ولا أبهى منها قط وقد عُلِق بها ما يشبه المصابيح، فملأت الآفاق ضياءً وسناءً، وظلت تصعد إلى الأعلى حتى غابت عن ناظريه.

فما أن أتى الصباح حتى ذهب مسرعًا إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم، ليقص عليه ما حدث، فطمأنه النبى صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: "وتدرى ما ذاك". قال أُسيد: لا، فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم"."

دَخلتُ في حوار مع الدُرة الهُمامة و تناولنا أطراف الحديث عن كلمات الجليل العظيم..و رأيتُ منها تِرحابًا و سمتًا دَمثًا و سِعة صدر
تلوتُ عليها آيات مُفصلات ...بُغية الإستئناسِ ..كانت نِعم المُنصِتة و ذات كرم و جود ..إذ صححت لي بعض الأحكام و كذا مَخارِج الحرُوف

ثم قالت لي كلمة لا أنساهَا أبدًا :

لماذَا نختبئ عند تِلاوتِنا للقرآن ؟
لماذا نتلوه خِفية و خوفًا بعيدًا عن الأعين كأننا نفعَلُ جُرمًا ؟

هل هذا هو اتقاءُ الرياء ؟؟ هل هذا هو صميمُ الإخبات و معقَلُ الإخلاص ؟؟
ثم أضافت :
أنا أتلو كلام الله أمام خلق الله و لا أختبئ
هذا هو الأمر الطبيعي
أن أتلو كلام بارئي و خالقي سرًا أو جهرًا
لا يهم إطلااااقًا الفرق بينما
المهم أن أتلوه ..

و أنا أضيف ..
الناس في هذا الزمن تفعل المعاصي جهرًا و لا تبالي
فلماذا يخجل صاحب الطاعة ..من فعل طاعة المفروض أنها طاعة روتينية (يعني مش هذيك الطاعة العظيييمة اللي لازم تتخبا )

كما ورد بهذا الخصوص الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي: “الجاهر بالقرآن كالجهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة”،

ذكرتُ كل ما ذكرتُ بسببِ منشور حول ختمة إحدى الفتيات في أشهر الصفحات ( الشد ) احتفاءً بختم القرآن ..و ما ورد في التعليقات التي يدور معظمها حول الاستخفاف بالأمر و نعت الفتاة بالمرائية لأنها شاركت ختمتها
و ما يوجع القلب ..اعجاب جزءٍ منهم بحفلات و خرجات فيها من المعاصي الكثير ..جهرًا !!!

و الله أعلم