يعتري المرء في هذه الحياة الدّنيا ما يعتريه من الآلام، والأكدار، والمصائب، والمآزق والبلايا المتنوّعة، فيُصيب النّفسَ ما يصيبها من العِلل، والأدواء، والهموم، والغموم، والأحزان التي لربما تكسرها، وكما تَرون ما من أحدٍ في هذه الحياة إلّا، ويعاني؛ مُقِلٌّ أو مُكثر، فمن النّاس من يُبتلى ببدنه، ومنهم من يُبتلى بماله، ومنهم من يُبتلى بحبيبٍ، وعزيزٍ، وغالٍ عنده.. فيَسعَوْن للخروج منها محاولين أن لا ييئسوا أو يستسلموا..

و‏ثمّة آلام لا تُرَى ولا تُسمَع؛ كأن يُنتَزع الأمل من قلب شغوف بالحياة، أو تُحطّم روح توّاقة للبِناء، أو تُطفأ شمعة مضيئة، أو تُكسَر يَدٌ معطاءة، أو تُسلَب السّكينة من نفس مطمئنة، هذه الآلام قد لا يُقضَى فيها عند قُضاة الأرض، لكنها ذات وقع عظيم عند قاضي الأرض والسّماء..

ولنتأمّل في قائمة الابتلاءات والآلام التّاليّة: الفقر المُدقع، المرض العضال، الحرمان من الإنجاب، عقوق الأولاد ونشوز الزّوجات، فقد الأهل والمال والعافيّة، فتنة الإغراء بالزنا والشهرة والثراء والسُّلطة، غيرة الأقارب والحسد إلى درجة الشّروع في القتل، التّفريق عن الوالدين في سن الطفولة، اليُتم، الاسترقاق، تحمل مسؤوليات الدولة في أوقات عصيبة، عصيان الرعية، التمرد الشعبي والعسكري، التعرض للموت غرقا وللافتراس، الاتهام بالجنون والكذب، التشهير والسخرية في وسائل الإعلام، القذف في الأعراض، الملاحقة والتهديد، الإيذاء في الطرقات، الحصار والمجاعة، النفي والإبعاد عن الوطن، الاضطهاد السياسي والإرهاب الفكري، الإصابة الدامية في المعارك، الاعتقال والمحاكمة والسجن الطويل، التعذيب، الحكم بالإعدام حرقا على رؤوس الأشهاد، القتل...إلخ

هل لاحظت أنّها خلاصة قصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم؟

ألا تشعر أثناء قراءتها بأنّ الأنبياء لم يعرفوا من الدّنيا إلا المشقّة، مع أنّهم أعزُّ الخلق على اللّه تعالى؟ لكنّهم مع ذلك كانوا أسعد الناس، لأنهم أدركوا أنّ الدنيا كلّها ليست إلا دار ابتلاء، وأن الأصل فيها هو المشقّة وليس الهناء..
فكم هي مُواسِية و مُطمئنَة؛ تلك الومضة التي توقدها في ظُلمة قلبك، فكرةُ أنّك في هذه الدنيا، بكلّ ما فيها من آمالٍ وآلام، بكل المُنى التي تُغريك، و كل الأسى الذي يَعريك، لست إلا عابر سبيلٍ، و إنما العيش عيشُ الآخرة..
وأنّ السّعادة ليست استمتاعك بملذّات الحياة التي ستنساها فور انقضائها، بل أن تفهم معنى الحياة وغاية هذا الوجود، وأن تتصرّف في كل الظّروف بحكمة..
فحين تجيئك المحنة؛ ستُغيّرك قليلًا أو كثيرًا بعد أن تتخطاها. وإنّ الغاية مِن تخطِّي المحن ليس أن تعود إلى سابق عهدك قبل مجيئها. لأنها لو لم تُغيّرك؛ فما كنتَ تجاوزتها و لا تعافيتَ بعد منها. فلا ترتَجِ العودة إلى حالِ ما كنت؛ بل إنّ الحكمة أن تتغيّر إلى بالٍ أنضج، و قلبٍ أصفى، و روحٍ أقوى أمام المحن القادمة، و التي لم تكن لتقدر عليها بحالك الجاري..
فالمحنة تُعِدُّك لآتٍ لن يحتمله قلبُك الحاضر.. وإنّ العبرة لِمَن وعى..

وإنّ ‏ممّا يُساعد على التّخفيف من حِدّة الابتلاءات والشّدائد:

1- الإيمان؛ وهو القوّة الدّافعة الخفيّة، التي تمنح المرء قدرات استثنائية للتحمّل والصّبر والثّبات، وتكرار المحاولات وعدم الانكسار. والايمان (وأعلاه الايمان بفرج اللّه) يمنح الواحد فينا الرّضا والطمأنينة والثّقة والأمل بتغير الحال الأزمات..
‏2- عقلية الباحث عن الحلول وليس الغارق في تحدياته؛ فتقلّب الأحوال والزمان من قوانين الحياة فلا شيء يدوم. والحلول متاحة ولكن قد تتنكر أو تختبيء أو تتأخر وسيجدها الموفّق الذي يسعى بصدق واهتمام.
أمّا ذلك الشاكي الباكي الغارق باللوم والحسرة، فلن يجد الحلول لمآزقه بسهولة..
‏3- استراتيجية الإحلال؛ فبعض المآزق معقّدة وقد تصعب حلولها أو تطول. ولن يجدي الانغلاق عليها والاستسلام، بل يمكن إحلال اهتمامات جديدة تلهينا عنها.
والانشغال بالعمل والنشاط الرياضي والتعلم الذاتي قد يلهينا ويمنحنا السلوان عن مآزقنا الخانقة..
‏4- البحث عن مشروع حياة؛ فهنالك لحظات فارقة بالحياة تنتشل المرء من بؤس تحدياته إلى عالم أرحب. إنها لحظات الانخراط بمشروع يُمّثل نقلة فارقة في تفكيره واهتماماته، ومن ذلك المشاريع التطوّعية أو التجارية الطموحة، أو بدء هواية جديدة أو الانشغال بهدف كبير يمتص الشحنات السلبيّة..
‏5- إعادة ترتيب الأولويات؛ حتى الأولويات قابلة للتغيير أو إعادة الترتيب بحسب العمر والظروف والمستجدات.
فقد يكون مأزقك يرتبط بأولوية لديك؛ فينغص حياتك ولديك القرار لتخفيض تلك الأولوية لتستمر الحياة بأولويات جديدة ممكنة. والتخلي عن بعض القناعات والطموحات قد يكون حلاً واقعياً ممكنا..
‏6- التّغيير؛ فكسر الروتين وبناء عادات جديدة يحفز العقل لابداع الحلول. مادياً وفكرياً ونفسياً لا تسلك نفس الدروب ذات النهايات المسدودة.
انفتح اجتماعياً وعلمياً وثقافياً لتشعل شرارة الابداع لديك المؤدي لاكتشاف سبل مبتكرة للحلول لتحدياتك..
‏7- شخصية الذكي وليس شخصية البطل؛ فقد يكون دور "البطل" محبباً للكثيرين ولا بأس ولكن تنبه لحجم التضحيات المضنية التي يتطلبها ذلك الدور. نحن نستطيع إدارة بعض تحدياتنا بالذكاء وحسن التدبير بدون تضحيات مكلفة.
ولكن طبيعة البعض العاطفية والعجز عن الحلول قد تقودهم لحرق أنفسهم بأيديهم..
8_ التّفاؤل والأمل عبادة الوقت؛ في داخل كلٍ منّا شعور أنه حتى لو فُرج همّه لن تعود الأمور بنفس اللذّة، وسيزيد بعضهم بأن ما فاته لا يعود مهما كان العِوض، ويأتي آخرون ليُحدّثوك عن الزّجاج المكسور والماء المسكوب والقطار الفائت، وغيرها من المجازات التي أفسدت حياتنا؛ أمَا علِمت أنّ نسائم الفرج تُنسي فكيف بعناقه، وإن ما سبق من تيئيس الشّيطان لك، وإنّ أقدار اللّه ألطف من ظنّك وقت كربتك، وأصلح لك من أمانيك حين غفلتك..
فمهما اِشتدّ الضّيق ففي بواطِنه يختبئ الفَــرَج ! فسُبحان من جعلَ المِحـَن حبَائل المِنح، ولربَّما أتت الفَوائد من وجوه الشَّـدائِـد، والمَسارّ مِن وُجوه المَضار، لأنّه النّافع الضّار، ولربَّما كَمنت المِـنَن في المِحن، والمِحَـن في المِـنَـن، ورُبَّ خَيـرٍ مِن شَـرًّ، ونَفعٍ مِن ضَـررٍ، ولعلَّه جعل حظَّك في مَنعِك .. وربَّما قيَّدك لِينقِذَك ولربَّما جعل في طَـيِّ حُزنك لحظةَ الجَذل فَقُـل: اللهُمّ أنتَ النافِـع الضّـار ، إنّـا قِد عَجزنا عن دفعِ الضُّـر عن أنفسنا من حيثُ نعلمُ بما نَعلم فكيفَ لا نَعجز عن ذلك مِن حيثُ لا نعلمُ بما لا نَعلم ؟! هو النافع الضار .. وكم مَغبوطٍ في نعمة هي شقاؤه، ومرحومٍ في داءٍ هو شِفاؤُه !
ومذهبي في الشّدائد أن أستدِلّ بكرم اللّه الماضي على كرمه القادم؛ فيَسطع نورٌ في قلبي في كلّ مرّة أتذكر لُطفه بي، إلى أين وصلتْ مسارات حياتي بعد كلّ عُسر، كيف انبثق الضياء في العتمة دائمًا، ولم ينطفئ إيماني يومًا ولا خاب؛ فمن نجّاني حين أُغلقت أبواب الأسباب قادر على مدّ ما ألِفْته من حبال النّجاة، ورجائي يحدوني لأن أقول: لو كان القادر الرّحيم يريد حبسك في ظلمات الهمّ؛ ما أنزل عليك مفاتيح الفرج في سالف أيامك؛ فاللّهم اليقين وحُسن الأدب في الكربات..

فعلى المرء أن يعلم أن اللّه يُربّي عبده على السرّاء، والضراء، والنّعمة، والبلاء، وبهذا تستخرج عبوديته في جميع الأحوال، فالعبوديّة تارةً تكون في حال السرّاء، والنّعمة، وللضرّاء أيضاً عبوديّة، فاللّه يُقلّبنا بين هذا، وهذا.. وهل يبلغ المرءُ نعيمَ الرِّضى إلَّا بعد وخزات الآلام، أو يعرِف لذَّةَ المعيَّة حتَّى يتجرَّع مرارةَ التّيه، أو يذوق برد المُناجاة إلا بعد حرِّ المعاناة، أو يستشعِر قَرار الآخرة إلَّا بفيحِ مصائب الدُّنيا؟!

إنِّها العِثار الَّتي يُقدُّرها اللّه في دُروبِنا لتدلّنا إليه، وتُعرِّفُنا عليه، وتردَّنا إليه الردّ الجَميل..
فينبغي على العبد ألاّ يكون من عبيد العافيّة، وأن يعلم أنّ الابتلاءات والشّدائد مِحكُّ إيمانه..