أمَاكِنُ الطّبيعة متعدّدة؛ السّهل والجبل، والوعر والرّمل، وأيَّامها تتنوّع بين جمال الرّبيع، وحرارة الصّيف، وبرد الشّتاء، وجفاف الخريف؛ وكذلك هو الشّأن مع حياتك؛ فلن تكون كلّها أرضًا مستويةً معبَّدةً، ولا زمانًا مستمرًّا ملء إهابه السّعادة، ولن يترفّق بك القضاء لتأخذ من الدّنيا ما تشاء، وتدع ما تشاء، بل نحن، بني آدم، بين المنْعِ والعطاء، والفرح والحزن، والأمل واليأس، والخطأ والاستقامة؛ فقد ينحرف المرء عن الجادّة، ويسلك طريقًا خطأً ما كان يتخيّل أن يسلكه في أيّام التزامه واستقامته؛ فالخطأ طبيعةٌ مركوزةٌ في جميع البشر، ولا أحد يبلغ به الجلال حدًّا يجعله بمنجاةٍ من أن تجري عليه نقائص البشر في الخطأ والزَّلل والنّسيان، ولا ينقضي العجب من بلاغة رسولنا -صلَّى اللّه عليه وسلَّم- إذ قال: (كلُّ بني آدم خطَّاء)، فصاغ اللّفظ على وجه المبالغة للدّلالة على الكثرة والتَّكرار، ثُمَّ أردفه بقوله: (وخير الخطّائين التّوّابون)، فصاغ من التّوبة لفظًا واردًا على وجه المبالغة للدّلالة على الكثرة والتّكرار تارةً أخرى، وبهذا تكون كثرة التَّوبة في مقابل كثرة الخطأ، وكلَّما أخطأ المرء تاب وأناب..

ونحن لا نريد أن نكتفي بما قلنا، فنستسلم للخطأ بلا نظرٍ ولا مراجعةٍ، فأنت إذا أخطأت وأذنبت وجبت عليك التَّوبة، ووجب عليك أن تنظر في طبيعة هذا الخطأ، من أين أتى؟ وكيف كان؟ ومتى كان؟ وما المسالك التي عبرتها مسلكًا مسلكًا حتّى تورّطت في الخطأ؟ ينبغي أن يكون الرّدُّ على هذه الأسئلة التي يلقيها المرء على نفسه حرًّا طليقًا في عُزلته، عادة كلّ عاقلٍ ودأبَه بعد اقتراف أيّ خطأ من الأخطاء، ثمّ يصحّح ما أخطأ فيه تصحيحًا قائمًا على التّعقُّل والتّفهُّم، ويصبح بعدُ قادرًا على التّقليل أو التّرك المُطلق..

فليس عيبًا أن تضلَّ الطّريق، وتتيه في طلب الهدف، وتغيب عنك الوِجهة؛ فنحن خلائق معذورة، ولسنا آلاتٍ مضبوطة، ولكن اجعل بعد كلّ خطوة ضلالٍ خطوات التّبصُّر والاهتداء، وبعد كلّ فترة خمولٍ وكسلٍ حركات الجدّ والعمل، وربَّ سيّئةٍ غُمِرت في بحر حسنات، غير أنّ الحكمة تُوجب ألّا تتعمّد الانحراف، ويقتضي العقل أن تبذل ما تستطيع..

فالنّفس كالفَرس التي تحتاج إلى ترويض كل العمر، لا ينبغي للمرء كيّها وضربها على كلّ زلّة، ولكنّه لا يتركها تقوده وهي هائجة أو تقذفه عند كل منعطف. بل يأخذ بلجامها ويُسلِّم قيادتها للعقل المستضيء بأنوار الوحي..

وأسوأ مِن أن يراك النّاس شخصا سيّئا جدًا، أنّ النّاس تراك شخصا جيّدا جدّا؛ فيجلدوك لمّا تُخطئ، بالرّغم من أنّك لستَ ملاكا، ولكنّهم يُصنّفون بعضا دائما أبيض تماما وأسود تماما، والحقيقة أنّنا كلّنا رمادي بدرجات؛ ففينا قريب من الأبيض، وفينا قريب من الأسود، وأغلبنا نتحوّل من نقطة لنقطة في المساحة الرّمادية. فلن تكون ملائكيًّا مهما زادت حسناتك، ولا شيطانيًّا مهما زادت سيّئاتك..

وتبقى الأخطاء دروسٌ، والزّلّات عِبَرٌ، والسّقطات مواعظُ؛ فاتّخذْ من عثراتك تصحيح الطّريق، ومن خيباتك تجديد الأمل، ومن انحرافك عن الصّواب صمودًا وثباتًا في المستقبل..

ولا تُهملْ في حياتك ساعةً فاصلةً تنقلك من حضيض الضّعة والخمول والاضطراب، إلى ذروة الرّفعة والسّموّ والثّبات، وهي ساعة القرار الواحد الذي غفل عنه كثيرٌ من النّاس، ويغفل عنه جمعٌ من الخلق من غير حساب؛ فتظلّ حياتهم ثائرةً مضطربةً في أوحال الهدم والنّدم، لا يكبحها زمامٌ، ولا ينظمها خطامٌ. ساعةٌ واحدةٌ، بل قرارٌ واحدٌ يُنبت في أرجاء حياتك غرسًا ناميًا سالمًا من الآفات، أو يشذّب ما التفّ على شجرتها من الأوراق التي أذبلها تكرار الخطأ مرّة بعد مرّة، وأذواها التّورُّط في الخيبة تارةً بعد تارة، فتسلك سبيلًا واضحةً لاحبةً، يكفي من أراد السّير فيها، أن يتوقّف عن لعن الظّلام والإنحاء عليه باللّائمة، ويضيء الشّمعة بقرارٍ واحدٍ صارمٍ، وفي ساعةٍ واحدٍة قاطعة، تتجمّع فيها العزيمة لتنطق كلمة الحقّ، ويشقّ فيها المرء حجاب المداهنة عن وجه الحياة؛ ليكون كلّ شيءٍ أمامه جليًّا مكشوفًا، يحكم عليه بعقله لا بهواه، وبحسّه لا بنفسه، وباتّزانه وصدقه، لا بتهوّره وكذبه على الذّات..

فالحياة لا تُعاش بالأوهام، وإنّما يعيشها من أراد أن يعيش بالإرادة الصّادقة، وبالرّأي الصّريح، وبالهدف البيّن، وبالحقّ الذي لا يتجزّأ، وبالمشقّة التي توهن البدن، وتستهلك القوى. فلا روح في الحياة بلا عملٍ، ولا روح في العمل بلا أملٍ، ولا روح في الأمل إذا خلا من السّعي والإصرار..‏ وثمرة الطّاعة وزكاتها على النّفس يكون بقدر خلو المعصيّة من العبد؛ فإنّ رائحة العِطر على الثّوب الطّاهر الحَسَن، ليس كرائحته على الثّوب الدَّنس النّجس!..

وإنّ اللّه يغار على قلبِ عبده أن يلتفت لأحدٍ سواه، فإن انصرف، انصرف اللّه عنه وأوكله إلى نفسه وتركه بين يدي رحمة من انصرف إليه فإن شاء عذّبه به وإن شاء تركه حتى يرجع من تلقاء نفسه، فإن عاد وجد اللّه توّابا رحيما..

ولولا أنّ حُبّ اللّه سبق في قلبك كل حبّ لما ثبت عليك عقلك ولا كنت في ثباتٍ في خلواتك على ضعفك وقلّة حيلتك، إنّما يكون ثباتك بمقدار قربك منه تعالى فإن وجدت في نفسك زعزعةً عند كلّ خطأ أو فقدٍ أو مصيبةٍ فانظر أين مقامك من اللّه، و كما قالوا قديماً: من وجد اللّه فماذا فقد؟! و من فقد الله فماذا وجد؟!

وقد بلغني مقدار الهمّ والقلق الذي يعتريك بشأن علاقتك باللّه والقُرب منه، لقد رأيت فيك الصّراع الذي أنهك روحك وأضعف قوتك. أنت تقاتل في ذاتك لأجل اللّه، وكان حقّا على اللّه أن يرحم ويحب من يقاتل لأجله؛ إنّه لا يلتفت إلى نتيجة المعركة، بقدر ما يلتفت إلى وجود المعركة بحد ذاتها، فما دامت هنالك معركة كانت هنالك رحمة. إنّ اللّه يُحب أن يرى الغبار الناتج من الصّراع مع الذّات لأجله..
واعلم أنّك حينما تخطأ فإنّ اللّه لا ينظر إلى خطأك فحسب، إنّه ينظر إلى الصّراع ضد أخطائك أيضا؛ يرى الصّراع بين الرّفض الدّاخلي لهذا الخطأ والرّغبة في ارتكابه، وهو لا يحكم عليك من خلاله، وإنّما ينظر إليه كانتصار جولة لأحد أطراف الصّراع، والحياة جولات، المهم عند اللّه أن يحِن قلبك للرّجوع إليه باستمرار ..

وفي بعض الأحيان تشعر بأنّك لم تعد تملك أيّ قوة للتغلّب على ذاتك في ترك أخطائك، لم تعد تملك إلّا شيئا واحدا وهو النيّة في العودة إليه، لا بأس تمسّك بها، بل إنّها أعظم سلاح؛ فهي نور صغير لو اعتنى به الإنسان لأصبحت شمسا تضيء المشرق والمغرب، فأحد أكبر مهام الشيطان هي الإضعاف من قيمة النيّة عند الإنسان، وتصوريها بأنّها شيء مجرّد من القوى ولا جدوى منه. وكلّ ما عليك فعله أن لا تتخلّى عن فكرة أنّ اللّه لا يزال يُحبك حبّا عظيما مهما كان سلوكك بعيدا عنه..

قابلْ أفراح القلب بالشّكر، وواجهْ أوجاع النّفس بالصّبر، والنّكبات بالصّبر والثّبات، وعالج العثرات بالنّهوض وتصحيح الآثار، ولا ينبغي أن تُقنطك المثبّطات العارضة مهما تكاثفت؛ لأنّ المشكلات مهما تعاظمت فهي إلى زوالٍ وانفراج؛ ومن ذا الذي يزعم أنّه وُلد - يوم وُلد - في صرحٍ ممرّدٍ من القوارير المحصّنة من كلّ مكدّر لصفائه، ومن كلّ منغصٍّ لهنائه؟ بل من ذا الذي يركن إلى العجرفة ليدّعي لنفسه العِصمة من كلّ خطأ وسقوط، والحفظ من كلّ هفوةٍ وعثرة؟ لا أحد، لا أحد!

واعلمْ أنَّك لست وحدك؛ فكلٌّ في حياته يعاني ألمًا تحت الجوانح، وحزنًا في النّفس، ووجدًا في الصّدر، وكلّ واحدٍ في صراعٍ خفيٍّ أو ظاهرٍ مع نفسه أو غير نفسه؛ ولا تغرّك صور الفرح ومظاهر الابتسام؛ فهي ساعة من الحياة، دونها ساعات كثيرة خلف الجدران، لا يعلم بها إلّا الله ثمّ أصحابها..

واطمئن؛ فاللّه يرى وهنَك، ويرى رُوحَك تحت أعباء الحياة الغالبة، ويعلم هذا الألم الذي يتمشّى في مفاصل شعورك بالأمور، وإحساسك بالأشياء، ونظرك إلى كلّ ما حولك، ويعلم ربُّك هذه الدّمعات التي تُخفيها عن النّاس، فتبدو أمامهم مستنير الوجه، مستبشر الفؤاد، هادئ البال، حتّى إذا درجت إلى بيتك، وأغلقت على نفسك الباب، وخلوت بنفسك وحيدًا منفردًا، تحدّرت تلك الدّمعات سخينةً على خدّيك المخلوقين للّين لا القسوة، وللاهتزاز من الضّحك والابتسام لا الجمود والسّكون من الألم والحزن؛ ألم تعلم بأنّ الله يرى؟ بلى، إنّه ليرى، وإنّه لسامع مناجاتك قبل أن تناجيه، وعالمٌ بذات صدرك قبل أن تبوح بها، وحُرقة أوبتِك إليه، وقادرٌ على إخراجك من هذه الظّلمات المُطبقة عليك، إلى نورٍ مضيءٍ للأماكن والأرجاء، فاصبر وما صبرُك إلّا باللّه..

"وإنْ يُردك بخيرٍ فلا رادَّ لفضله"؛ ولا حتى ما يكون منك ذنبًا أو مخالفةً! فمتى أراد فلا رادَّ!؛ يصطفي ويغفر، ويجود بفضله، ويسعك بإحسانه ورحمته، ويذيقك برد التّوبة وحلاوة الأُنس به، ويحوطك بعنايته ويحفظك من عدوك وعدوه! وهذا من آثار اقتران مُلكه برحمته؛ فهو الرّحمن الرّحيم الملك!. وحسْبُك بالتّوبة نفعًا؛ أنّها تجلو الفؤاد من الصَّدأ، وتُمتِّع العقل بالسّكينة، وتُريح الخاطر من الثِّقل، وتورِّث الحُسن في الحال، وتُنيلُ الرَّاحة في البال..

وإن هداك اللّه للاستقامة، فاحمده عليها، واسأله الثّبات، ولا تظنّها بحولك وقوّتك ورجاحة عقلك، واجعل أكثر حديثك عن أهل العصيان تذكيرًا ودعاءً، لا ذمًّا وتهكُّمًا واستخفافًا؛ فإنَّ المرء لا يدري كيف يُمسي قلبه وحاله..‏ فالقلب يمُرُّ بأحوال يتعجّب منها العاقل، ويحتار في تفسيرها المُفكِّر الحاذق، فكن على خوفٍ من حال يتقلّب فيها إيمانك كفرًا، وطاعتك تمرُّدًا، وتقواك فُجورًا؛ ثمَّ ابتهل في محرابك بقلبٍ حاضر: "يا مُقلِّب القلوب ثبّت قلبي على دينك".. فإنّ اللّه تعالى يحب لحظة الدّعاء والإلحاح تلك، لأنها لحظة يحدث فيها ارتباط عاطفي عميق بين اللّه وعمق روحك، أنت في الغالب لا تُلح إلا إذا كان هنالك احتياج يسكن في أعمق نقطة فيك، واللّه يحب كثيرا تلك اللحظة التي يكون الإتصال فيها بينه وبين أعمق نقطة فيك، فكلما عبّرت للّه عن أعمق احتياجاتك أحبّك أكثر، فمِن المهم أن تعرف حقيقة ماذا يريد حتى يحبك أكثر، وأن تتعرّف على نفسك جيّدا حتّى تتّصل باللّه حقّا..

أمَّا الشّخص الذي لا يزال في عذابٍ مقيمٍ، فهو من يدَّعي لنفسه (المثاليَّة)، ويتوهَّم في ذاته العِصمة المطلقة من الزَّلل والخطأ، فيتعذّب ويتألّم كلّما بدر منه شيءٌ من بوادر طبيعة البشر في أخطائهم ونسيانهم وزلّاتهم، ولا نعني بهذا أن يلقي الإنسان الحبل على غاربه، ويمضي غير محتاطٍ ولا متورّعٍ في اقتراف الذّنوب واجتراح السّيّئات، كما لا نعني به ألَّا يسعى إلى حيازة الكمال مهما يكن بعيدًا، ولكن عليه أن يَعْلَمَ أنّه من بني آدم الخطّائين التّوّابين..