" التهويدات عبر عالمِنا العربي "

تساءلتُ وهل نضج عشاءُ الجيران ؟ تُرى كيف أصبَح حالهم وفي أي مكان يعيشون الآن، سافرَت بي دندنة سمِعتُها قادِمة من منزِل جيراننا أخذت الأم تُغنّيها للطفلة قبل النّوم " نيني يامومو حتّى يطيب عشانا وإلى ماطاب عشانا يطيب عشا جيرانا، " نم ياصغِيري إلى أن ينضج عشاءنا أو عشاء جيرانِنا، أعتقِد أن النّغمة لم تّتغير، بنفس رنة الصوت الأخاذة التي تجعلُ الصّبي ينامُ وهو مُقتنِع أن عشاء أهله قادِم لامحال وإن لم يكُن فالجيرانُ أهلٌ لتِلك المُهمة، وبنفس الأمان الذي يجعلُ الصّبي يكبُر وهو يُدرك أن الجيران عائلة أخرى وطعامهم طعامُه، تِلكَ الأغنية لا يتذكّرها منّا أحد حين نامَ على ترانِيمها لأنّها تُغنى غالبا للاطفال دون سنّ الثالثة أو الرّضع، لكنّ لِ لحنها وقَعٌ خاص على القلب، تُهدهد مشاعِرنا وإن كبُرنا وتُطمئِننا بأن ننامَ فالأهلُ والجيران لن ينسوا إطعامنا..
بنفسِ النغمة تُحافظ الجدّات على بخّ رحيقِ أصواتهن العذبة في مسامِع أحفادِهنّ إذا انشغلت بناتهنّ اللواتِي يحفظن بالفِطرة الأغنية التي انتقلت لهنّ بالتوراث في غيابِ الجدّات..
وبنفسِ اللّحن الشّجي والصّوت العذب ولكن بلهجات مُختلفة ثمّة لحنٌ مُنبعث من كلّ بيتٍ عربي، يُنشدُ بحُبّ بصوتِ كل أمّ قبل أن يغفو وليدها..
التفكير في عشاءنا أو عشاء الجيران أخذنِي أيضا لكي أبحثَ عن التهويدات عبرَ عالمنا العربي، فوجدتُ جمالا لايُضاهيه جمالُ أي كلمات لأجمل الأغنيات وأشهرها على الإطلاق، تِلك الأغنية البسيطة المُكونة من مقطع واحد على الأكثر، وبِ أداءٍ نابِع من قلبٍ صادِق، جعلتني أرى مزيجا رهيباً في المُصطلحات والتعابير ويعود أصلُ التهويدة إلى سومر جنوب العراق، حيث عُثر على تهويدة لأم سومرية تتوّسلُ فيها سُلطان النّوم أن يأتي لابنتها..
فتُغنّي الأمّهات في بِلاد الشّام على طريقة فيروز : " يلا تنام ريما يلا يجيها نوم يلاّ تحبّ الصلاة يلاّ تحب النّوم" فتكبُرُ ريما اليوم حتّى تظهرُ في إحدى الصور رفقة والدتها بشعرٍ يكسوه البياض، لكِن يبقى اللّحنُ خالِدا يُغنّى لكلّ الأطفال "حتّى يجيهم نوم "..
تقول بعض الأمهات في مصر كلاما حتى وإن تُرجم إلى لغات أخرى فالمعنى ذاته أنّها كلمات بلا معنى "نّنه نّنه هووو" على غرار " المومو " و " نيني" في كلامِ أهل المغرب والجزائر، لكنّها شيفرة تُعتمد بين كل أم وصغيرُها، فيفهمُ كلِماتها ويستسلِمُ إلى النّوم دون مقاومة..
أمّا أهلُنا في العِراق فتأتي تهويدتهم استثنائية تماما، كاستثناءِهم، تأتي بلُغة يكسوها الحُزن والبُعد عن الأحبّة، تأتي بِلُغة بِلاد أهلُها تربّوا على صوتِ الحرب، فتقول الأم :
دلول ابني دلّول،يمه ھب الھوى وإصطكت الباب.. ترى حسبالي يا يمه خشت أحباب..فيأتِي حنينها وتوقُها لرؤية الأحباب وتوهمها لسماعِ صوتهم صريحا في الأغنية..
وتُهدهِدُ الأمّ الصّحراوية مسامِع وليدِها بأنغام أشبه بعزفِ الرّبابة قائِلة " ريدّا يا أحمد سدّي ريدّا وغدو وغدو ريدّا والناس عدو"وتتجلٍى في التهويدة الحالة التي كان يعِيشها الرُّحل باستمرار من توجّس دائِم من قدوم " غزّي" أو العدو، فمقطعُ "ريدّا نفخو المسكي ريدّا خلوه متكي" كِناية عن تحذير أخت لإخوتها من العدو الذي يتربّصُ بهم فتنصحهم بنفخِ القِرب وجعلِها تتّكِئ وتنام في فراشهم بدلا عنهم ..
وتقول الأم الموريتانية للصّبي :

"بسم الله ترشيدلن، راهم ركب خيل احميدن فيهم عالي واسويدن "، وذلِك مفادُه فلنَنم ياصغيري على قول باسمِ اللهّ
وتطرحُ الأم السودانية أغنيتها بلِسان صغيرها وأمنيّات قلبِها بعنوان "الوزير الصّغير" فتقول : ماما وبابا حبوني.. وأنا ختيتهم في عيوني،حصاني كبير، وبجري شديد،وأنا من فوقه كأني أمير أخش الجامعة وأبقى وزير”
أمّا في السّعودية فتُغنّي الأم بكلمات لها ارتباط وثيق بالديّار المقدسة :
“دوها يا دوها.. والكعبة بنوها.. وزمزم شربوها.. سيدي سافر مكة.. جب لي زنبيل كعكعة.. إلى أن يصِل استجداء المطر من الله سبحانه وتعالى عند قولهم في تتمة الأغنية " والجبل يبغى مطرة والمطرة عند ربّي ياربي حط المطرة "
وبهذا التّميز والتّعدد والاختلاف ضلّ اللحنُ مُوّحدا في كل البلدان العربية، راسِخا في ثقافة كل بلَد حتّى وإن تغيّر الزّمنُ والوقتُ، وباستِجداء أهلِ الحِجاز "يارب حط مطرَة" نُتمِم قولنا " لاحرَم الله طِفلا تِلك التّرانيم النّاعمة اللطيفة، ولاحرَم الله صبِيّا والدته " 🌻💛🌿📝