القراءة والحفظ والكلمات

كثيرا ما انتقد الأكاديميون الحفظ للكلمات والنصوص ، باعتباره تقنية مجحفة بحق تطوير العملية الفكرية لدى المتعلمين، ولا سيما اتهامه بالجفاء الفكري باعتباره عملية ديناميكية وأتوماتيكية بعيدة عن الفهم والعقلنة ، الأمر الذي يجعل منه مهارة تعمل ضد صاحبها لا لصالحه ، فلا جديد يمكن أن يضعه الحفظ سوى ترسيخ مثيرات بصرية أو سمعية واستدعائها عند الحاجة اليها ، فالإنسان الحافظ لا ينتج جديدا بل يكرر ما جد على معلوماته في عملية (الاستدعاء ) ،لذا يبقى الحفظ في دائرة الاتهام تلك ، حتى أن الأمثال الشعبية ما برحت تطعن في مهارة الحفظ كالمثل الشعبي العربي الدارج ( حافظ مش فاهم !) ،لذا جيء بهذا المقال كمحاولة لإدلاء البرهنة والحجة على حقيقة عملية الحفظ باعتبارها نشاط عقلي يستلزم الوقوف على الكثير من المهارات والقدرات التي تصل بالإنسان الى مرحلة " الامتهار ".

يسعنا في بداية القول الإشارة الى ماهية "الحفظ " كخطوة ممهدة الى حقيقته التي يغفلها الكثيرون بشكل عفوي أو دون ذلك ، الحفظ بمجمله ما هو إلا نشاط عقلي يستلزم سلامة نوافذ الإدراك (الحواس) وذلك يحدث من خلال تركيز الشعور الحسي والدماغي على مثير معين من أجل نقله إلى العمليات المعرفية الأولية وصولاً إلى محطة التخزين والحفظ في الذاكرة والتي ترحب بالمثيرات إما لمدى قصير الأجل أو لمدى طويل الأجل وذلك من خلال عملية الترميز والتي فيها يعطى المثير معنى جديداً يضاف إلى المعاني المحفوظة سابقاً في الذاكرة .

يمكننا لحظ مدى التعقيد التقني في عملية التذكر كما نلحظ اتساع الرقعة المعرفية التي تمتد مع رحلة المثيرات حتى تصل إلى مرادها في الذاكرة ، والأهم من ذلك هو الإحساس بقيمة هذه الهبة الربانية فتعلم لبيب الإشارة أن تحضر الانسان ما هو إلا تراكم الخبرات في "شيفرة " الذاكرة وأن لا حاضر له دون ماض ولا ماض دون حفظ يرحب بالجديد وينتج المستجد .

أخالك عزيزي القارئ تسأل عن الجديد الذي يمكن إضافته من خلال الحفظ طالما أنه مجرد تكديس للمعلومات في صندوق الذاكرة ؟ وقد تقف بجانب المثل الشعبي مدافعاً ، إذ ترى الحفظ بأولئك الذين يحفظون ما لا يعلمون، مجرد ببغاوات يرددون النصوص ، لكن الحقيقة نقولها باختصار ، إن الحفظ كي يصل إلى دائرة التخزين في الذاكرة يمر بسلسلة من المعالجات العصبية كالإدراك والتشفير والترميز ثم يأخذ حيزاً في الذاكرة وعلى عكس ما يظنه البعض حول سهولة تخزين المعلومات واستدعائها ، فحتى تذوت(1) المعلومات في الذاكرة وتستدعى على المدى البعيد وجب فهم واستعاب المعلومات وإلا أصبحت كالقصر الرملي الذي ينهار عند أول علمية جزر وكأن شيئا ًلم يكن ! . وعملية الفهم ذاتها عملية معقدة تتطلب قدرة عقلية متمرسة لمهارات عدة أبرزها الربط بين النتيجة والسبب والتمييز بين الحقائق والآراء ولا سيما الربط المنطقي بين المعلومات واستخدام المعرفة السابقة وتذويبها بالمعرفة الجديدة ثم استدعائها عند الحاجة وهلم على ذلك مجرى .

الحفظ والاحساس بالمعنى :

لو طلبنا من شخصين غناء "كوبليه غنائي "(2) ، بحيث نطلب من الشخص الأول الغناء بعد حفظ "الكوبليه " جيداً، وعلى الثاني تأدية "الكوبليه " من خلال قراءته على ورقة مثلا ، سنجد أن الشخص الأول اندمج حسه في موسقة الكلمات فيغيب واقعه في عالم ثان ،ثم تبدأ "الحليات " الصوتية تظهر في المقام الصوتي ، أي تتفاعل الكلمات مع الحس الغنائي ، وهذا يبدو مثلا في إغماض العينين والبكاء والابتسامة والرقص أثناء الغناء ، أما عن حال الشخص الثاني سنجد أن انغماسه في القراءة يحول دون التفاعل الحسي المرهف مع شجن الكلمات أو صهجها ، وذلك لأن الإنسان عندما يكتفي بما يقراُ فهو يسلط شعوره على فك شيفرة الكلمات وعلى حسن القراءة أكثر من التطلع إلى ما وراء المعنى ، فيخشى التلعثم أو الإصابة بـ "الكأكأة"(3 ) بلسانه ، وشتان ما بين الأداءين في التفاعل الحسي والتدبر المعنوي .

ويبقى السؤال حائراً ، هل الحفظ مجرد تكديس مؤلم للمعلومات أم هو بوابة نحو للإبداع ؟