- التحرش .. خسة أم قلة حيلة؟

في الآونة الأخيرة، ازدادت عمليات التحرش المُمارس ضد المرأة في بلادنا العربية، بين حالات جهرت بفعل المتحرش ولم تخف لومة لائم، لتواجه المجتمع الجاهل بعذابها وتطالب بحقها المسلوب قسرًا، وبين حالات أبت أن تضع أسرتها موضع خزي وذل واتهام لسمعتها الطاهرة التي لم تُلطخ بالسوء واكتفت بصرخات قلبها المكبوتة. وتختلف أسباب ومبررات المتحرش بحسب ثقافته وبيئته؛ فمنهم من أقر بأن فعلته نابعة من قلة حيلته في الزواج وعجز ظروفه المادية في ممارسة حقه الشرعي، ليجدها الوسيلة الوحيدة لاستعاضة الكبت الجنسي ومُغريات الحرام، ومنهم من نشأ على فلسفة الانفتاح على الثقافات الغربية، والانغماس في مشاهدة أفلام تعتبر علاقة الرجل بالمرأة كالمأكل والمشرب، ولكنهم جميعًا وقعوا ضحية شيطانهم واتخذوا دربه سبيلهم الأوحد.

يُعد التحرش بمختلف أشكاله جريمة يُعاقب عليها القانون؛ بل تُعاقب عليها الإنسانية قبل أي شيء، وأجد أن الجاني الأول في هذه الحالة هو البيت الخارج منه المتحرش، كونه لم ينصفه بتربية سليمة وأصول ثابتة مهما جار عليه الزمن. كما أن العلاقة غير المتزنة بين الأب والأم كفيلة بأن تقذف الأبناء إلى بحور الظلمات. بشر غير أسوياء وعقول تحركها الشهوة، لنجني ثمارها بعد ذلك في وحل البشرية، وعلى أعتاب نهاية الإنسانية. وإن كانت الأسباب التي تدفع المتحرش قد تكون منطقية في نظره لدخوله في حالة من عدم الاستقرار النفسي، ولكن لا مبرر لاقتراف جُرم عظيم في حق المرأة التي ميزها الله ووضعها موضع اجلال واحترام، وهو ما يُولد تبعات كارثية لدى المجني عليها في جميع المستويات، النفسية والبدنية والفكرية، لتبقى لقطة التحرش نقطة سوداء كامنة في ذهنها حتى أنفاسها الأخيرة، حتى أن التعرض لمواقف تتشابه معه على المدى البعيد يُعرضها لما يُسمى بـ "التروما" أو الصدمة النفسية، لتظل حبيسة الذكرى المؤلمة واللحظة الفارقة، فما بالك بالأجيال الخارجة من رحمها إن كان المصدر يتأذى بفعل غير أخلاقي على مر السنين؟

الحديث عن التحرش لا نهاية له، ولا خلاف بأنه وصمة عار في صحيفة من تسول له نفسه بهتك عرض سواء بالكلمة أو اللمسة أو النظرة أو حتى مجرد التفكير بشكل غير آدمي في جسد المرأة.

- مرض العصر يتفشى!

وهُنا تظهر نقطة الاتفاق، التحرش مرض يجب أن يُعالج على النهج السليم لانقاذ صاحبه من قبضة العدم. المرأة في النهاية إنسان، تخرج من بيتها كرامتها مُصانه، تؤدي عملها بضمير حي، عضو فعال تخضع لقوانين مجتمعها وتحصل على كافة حقوقها على أكمل وجه، لا مبرر للتطفل على سيدة تسير في أمان الله، لا مبرر لسلب الأمان وقذف شعور الترقب بقلب سيدة. اليوم المرأة تواجه الفزع الأكبر المُتمثل في "الشارع"، تهاب فكرة الخروج من مأمنها، وكأن الحياة خارج أبواب منزلها هي جحيم مؤكد، تتيقن أن ثمة أيادي تنتظرها كي تسحق سلامها، تتلهف فرصة للانقضاض على فريستها دون الرأفه بحالها الرث الضعيف، فتكون كقطعة الحلوى على طبق من ذهب ينتظر أنياب جائعة ثائرة، ليسود عالم الجريمة ويتبدد مستقبل لم يبدأ بعد. حتى أن الأرض تشفق على حال الأنثى وتبتلعها حمايةً لها مما ينتظرها من بشر لم ينظروا لضعفها؛ بل لجسدها، استباحوا ما حرمه الله، وضعوا قوانين خاصة بهم فقط لتلبية مطالبهم التي لا تمت للإنسانية بصلة، واليوم المرأة تدفع ثمن الحياة.

فهل من العدل أن تُظلم حواء وهي أصل الوجود؟