هذا الدين ٣

لم يكن هذا الدين خاتم الرسالات وناسخ الشرائع والدين الوحيد المقبول عند الله، لم يكن هذا كله من فراغ، ارتضاه الله دينا لعباده، وجعله لهم شرعة ومنهاجا، وفرضه عليهم عقيدة وعبادة ومعاملات وأخلاقا، ويسره عليهم ولم يكلف أحدهم فوق وسعه، إلى آخر تلك الصفات والميزات التي تجعله دينا عظيما بمعنى الكلمة.

لذا وجب على المسلم أن يدرك طبيعة هذا الدين وسماته وصفاته، أولا ليؤمن به عن حب وقناعة ورضا، ثم ليدعو الناس إليه طالما تأكد من عظمته، ثم ثالثا لينافح عنه ويدافع ويدفع الشبهات التي يثيرها المبطلون يضلون الجهلاء وضعاف الإيمان، فيلقى الله عز وجل وقد قدم لدينه ما استطاع.

مثل الجاهل بطبيعة هذا الدين كمثل رجل ترك له أبوه كنزا عظيما، ورسم له خريطة أماكن الذهب والفضة والورق، وإذ به يحفظ هذه الخريطة في علبة فخمة يضعها وسط الدار زينة وحلية، ثم يخرج كل يوم يتسول الناس رزق يومه، يعطيه أحدهم ويمنعه آخرون، ويلقى إهانة من هذا وذاك، وربما يحاسبه أهل القانون، ثم يعاود الكرة كل يوم، يتطفل على موائد اللئام.

يرى المسكين العلبة التي تحوي الخريطة صباح مساء، لكن غشاوة على قلبه تمنعه من اتخاذ قرار فتح العلبة ومن ثم الخريطة حتى يجد طريق الكنز مصورا موصوفا بكل دقة!!!!

كم منا مثل هذا الرجل؟ كم منا يغفل عن دينه بينما يرى نفسه يعظمه ويجله لمجرد انه يحفظ القرآن الكريم في علبة فخمة في الصالة أو حجرة المكتب، ينفض التراب عنه بين الحين والحين، يهجر القرآن تلاوة وتدبرا وعملا، ثم يذهب يتسول موائد الفلسفات والأيديولوجيات والأفكار والمذاهب والشرائع والقوانين، بينما بين يديه كتاب لا ريب فيه ولا شك ولا نقص ولا قصور، تنزيل العزيز الحميد.