كمثل الحمار يحمل أسفارا

﴿مَثَلُ الَّذينَ حُمِّلُوا التَّوراةَ ثُمَّ لَم يَحمِلوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحمِلُ أَسفارًا بِئسَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ﴾ [الجمعة: ٥]

تشبيه شديد الوطأة على صاحبه، قوي المعنى، عميق المفهوم، فيه من التحقير لصاحبه ومن يستحقه ما فيه، ليس لحقارة الحمار بالتأكيد، فالحمار اولا واخيرا هو خلق من خلق الله، لكن لحقارة الموقف؛ حمار يحمل من الأسفار (الكتب) ما يحمل، وفي هذه الاسفار من العلم ما فيها، لكنه في نفس الوقت لا يقرأ ولا يعلم ولا يفهم ولا يفقه ولا يستفيد من اي من تلك العلوم شيئا يذكر! يكمن موضع التحقير هنا، في هذا الجانب تحديدا، جانب امتلاك شئ ثمين دون الاستفادة منه، جانب حمل كنز دون الاستمتاع به، جانب حيازة خير دون ربح منه بأي شكل!

بعيدا عن خطيئة تضييع أمانة حمل كتاب الله (التوراة حينذاك)، وبعيدا عن جريمة تحريف الرسالة والأمانة التي استودعهم رب العزة إياها؛ ﴿مِنَ الَّذينَ هادوا يُحَرِّفونَ الكَلِمَ عَن مَواضِعِهِ وَيَقولونَ سَمِعنا وَعَصَينا وَاسمَع غَيرَ مُسمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلسِنَتِهِم وَطَعنًا فِي الدّينِ وَلَو أَنَّهُم قالوا سَمِعنا وَأَطَعنا وَاسمَع وَانظُرنا لَكانَ خَيرًا لَهُم وَأَقوَمَ وَلكِن لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفرِهِم فَلا يُؤمِنونَ إِلّا قَليلًا﴾ [النساء: ٤٦]

بعيدا عن هذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي والقيمي، فلسنا نريد بالمقارنة الوصول إلى هذا المستوى بالتأكيد، لكننا نقصد المقارنة في إشكالية حمل كنز لا يستفاد منه.

نحمل الجوالات اليوم والتي تحمل من الكنوز العلمية والمعرفية والمعلوماتية ما إن مفاتحه لتنوء بحملها إذا تخيلناها في مصادرها كتبا ومجلدات لا يتصور العقل امتلاكها في مكان يسهل عليه الوصول إليه، ناهيك عن امتلاكه بين يديك ليل نهار!

نحمل المصحف في الجوال كل لحظة، نملك الولوج إلى شبكة الإنترنت للحصول على أي معلومة أينما كان مصدرها، نملك تطبيقات المكتبات الإلكترونية التي تحوي عشرات آلاف الكتب المجانية من أمهات الكتب والمخطوطات، والسؤال؛ هل نستفيد منها، أم نعرض أنفسنا لفداحة وهول الوقوع في بئر التشبيه المرعب الذي نخشى الاقتراب منه؟

كلما نظرت إلى تلك الكنوز فرحت للوهلة الأولى، ثم عدت فتذكرت فخشيت أن يخاطبني المثال والتشبيه مناديا إياي ان تعال يا حامل الأسفار!