في ستين داهية ٢

تعود الأحداث إلى ما قبيل الإسلام، كان ذلك في بلاد اليمن، حيث كانت الحروب مستعرة على الدوام بين قبيلتي “مدحج” و”همدان”، ودائمًا ما كان النصر في تلك المعارك العديدة من نصيب قبيلة مدحج، مما اضطر قبيلة همدان إلى أن تلجأ إلى الاستعانة بالفرس.

اتفق الفرس مع أبناء قبيلة همدان على خطة شيطانية الإيقاع بقبيلة مدحج وإلحاق الهزيمة النكراء بهم والانتقام للكم الكبير من الهزائم السالفة.

اقترحت همدان على مدحج أن يجلس كل منهما مع الآخر جلسة حوار عقلاني لا مكان للسلاح فيه، حوار العقل لا السيف.

وكانت مدحج تزخر بالأذكياء كما تزخر بالأقوياء تماما، فوافقت على الفور، وانطلق ستون من شيوخهم الذين عرفوا بالذكاء والدهاء في مدحج نحو الحوار، جيش من ستين (داهية) من أذكياء مدحج قد تم استدراجهم نحو شرك خبيث. ما إن سنحت الفرصة لحصار الستين الداهية غير المسلحين إذ بهمدان وحلفائهم من الفرس قد أعملوا فيهم السيوف الغادرة، وتم قتل الدهاة الستين غيلة وغدرا.

عزم قيس بن مكشوم من قبيلة مدحج على الثأر من همدان عندما تحين الفرصة. فلما آن الأوان قتل من همدان عددا كبيرا مبالغا فيه، فلما سئل عن سبب تلك المقتلة العظيمة التي قام بها قال؛ (في ستين داهية)، أي انه قتل كل هؤلاء بسبب قتلهم ستين داهية، والفاء هنا للسببية أي أن مراده؛ (قتلت من همدان ما قتلات بسبب قتلهم ستين داهية من شيوخ مدحج من قبل).

إذا فإن المراد الأول من قول (في ستين داهية) كان؛ (بسبب قتل ستين ذكيا)، ولا علاقة لهذا المعنى بالمعنى الذي نقصده هذه الأيام، لا من قريب ولا بعيد.