فإذا هو خصيم مبين

يأتي إلى الدنيا باكيا، لا يتوقف عن الصراخ، ربما يشعر بألم القبض والبسط والشد والجذب، ربما يشعر باختلاف الحاضنة التي استحالت هواء عجيبا لم يشعر به من قبل، ربما ألم قبضة الكف التي تمسك به لأول مرة تبث إليه شعورا غريبا جديدا لم يعرفه من قبل فيبكي خوفا أن يكون كل ذلك غير آمن، ربما لأنه ولأول مرة يغير البيت الصغير الحنون الذي اعتاد عليه وأحبه وألف طمأنينيته وسكينته وأمنه وأمانه وحنانه، أو حتى ربما لغير كل تلك الأسباب.

ثم يستمر المسكين في البكاء أحيانا كثيرة، يبكي حين يشعر بالجوع، ولا يسكن بكاؤه إلا لحظة أن يلتقم ثدي أمه، فقط حين يمتد إليه شريان النجاة يضخ إليه إكسير الحياة.

يبكي لحاجته لشربة حليب، ثم يبكي ثانية لحاجته إخراج ما لم يستفد جسمه منها! ولا يرتاح له صوت ولا يهدأ له ضجيج وإزعاج حتى يزول الأذى عنه ويطهر مكانه تماما!

ثم يبكي حين يهاجمه ميكروب أو فيروس لعين، يبكي بلا توقف حتى يرزقه الله طبيبا حذقا يكشف الداء ويصف الدواء ليكون من الله الشفاء، ساعتها تكون رحمة الله وحدها هي الأمل في شفائه، فهو حتى لا يحسن التعبير عن موضع ألمه ولا كنهه، فيظل يبكي حتى يهدي الله من حوله إلى سبب شكواه، فيكون وقتها مسكينا بين يدي جهلاء ينتظرون الفرج من رب السماء.

تخيل كل هذا العجز وكل هذا الافتقار إلى رحمة رب رحيم، ثم تخيل هذا الضعيف المسكين بعد سنوات في هذه الدنيا، يتحول هذا الضعيف المسكين إلى متكبر يرفع أنفه نحو السماء، وبكل صلف يجهر ويقول؛ أنا لا أؤمن بوجود الله!

﴿أَوَلَم يَرَ الإِنسانُ أَنّا خَلَقناهُ مِن نُطفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصيمٌ مُبينٌ﴾ [يس: ٧٧]