بريدٌ باللّون البُنّيّ

البريدُ الأوَّل...

أتدري كيفَ للأيامِ عندَ البُعدِ تصهِرُني

لأنكَ تُشبِهُ الأمواجَ والأمواجُ تُشبِهُني

وأنتَ سحابةٌ في ليلةٍ ما سوفَ تُمطِرُني

وإحساسٌ –بحقِّ اللهِ- يأبى أن يُغادِرَني

محمد عبد الرحمن شحاتة

باختصارٍ...

هل لي أن أقتربَ حتى يصطدمَ الموج بأقدامي؟

وبالرغم من أني أجيد السباحة، أدرك تمامًا أن تلك النقطة هي أبعد مدًى يمكنني الوصول إليه، وليس مسموحًا لي أن أتعمّق في ذلك البحر، إن مقاومة التيّار لا تصيبُ دائمًا، ستنفد قوايَ المحدودة قبل أن أصل إلى الشاطئ الآخر، الذي لا يظهر منه شيء، ليس هناك سوى ذلك الخطُّ البعيد، النقطة التي تلثم فيها الأرض خدَّ السماء، لا أملك القدرة على بلوغ تلك النقطة، لذلك اكتفيت بمشاهدتها من بعيد.

أنا واهنٌ كتلك الورقة المدجَّجة بالشِّعر حين سقطت فوق إسفلتٍ مبلل بالمطر، تكالبت عليها الفصول، دهستها الأقدام العابرة، ثم أحرقها أول سطوع للشمس، وآن لي أن أخبرك أن تلك الورقة كانت بريدي الأول إليك.

الهواء الرطب يملأ رئتيَّ، كل ذرَّةٍ منه تحمل معها ذرَّةً من رائحتك، أدرك أنني لم أستشعرها من قبل، ولكنّي أعرف أنها سوف تضيء ظلام صدري، وتعبِّقُ برائحة التوليب ما بين جوانحي، إن رونق الزهرة يغني عن استشعار رائحتها، و أنت ذو رونق كما لو كنت نجمة تقترب منّي، أضاءتني، وأضاءت البحر من أمامي.

لماذا أراك تُشبه البحر؟

لا أدري، ولكنّي أراكَ كذلك، إن في البحر متَّسعًا لأحزاني الكثيرة، ومتنفَّسًا لضيق صدري، ويدًا تربتُ على كتفي كلّما جلستُ أمامه لأنفثَ في وجهه دخان متاعبي، وكتِفًا أغفو فوقه كلّما هدَّني المسير إلى اللا شيء، إن ما أشعر به وأنا واقف أمام البحر من سَكينةٍ وسلامٍ، هو نفسه ما أشعر به كلّما أحسستُ أني قريبٌ منكَ.

البحر يمنحني هويّتي، وأنت من الآن أصبحت تمنح البحر هويّته، لنلتقي صدفة أمامه، ليلقي إلينا أصدافه كما لو كان يكرمنا كضيفين.

ولكن هل تحبُّ البحر؟

لا شأن لي بإجابتك، فقط انتظر بريدي التالي.

***