كان لنا عادة ونحن طلاب في الثانوية العامة، كنت وبعض الزملاء لطول مكثنا في المنزل للمذاكرة، نمل و نضج، وبحكم نشأتنا في قرية عامرة بأشجار الفواكه والكافور والجميز، كنا نحب أن نخرج بعد عصر بعض الأيام لنتمشى بين ذلك الدوح الوارف، ولخلو الطرق الزراعية التي كنا نسيح فيها، وننفض عن كواهلنا تلك الهموم الوليدة، طرأت لنا فكرة _وأي فكرة_ ألا وهي أن نذاكر دروسنا الكئيبة الوجه، الثقيلة المحمل ونحن نمشي في هذه الطرق، علها تبدل ذلك العبوس بابتسامة، أو تنشرح لمنظر الأشجار والأزهار فتخف روحها الثقيلة.

وشرعنا والحمد لله في تنفيذ تلك التجربة_ العلم والأشجار_ كان هذا المزيج الفريد من الهدوء والرياض المُعْتَمَّة، والصحبة المؤازة الطيبة، دافعا حثيثا على المذاكرة و الفهم.

وصار الأمر لنا عادة، حتى صارت مذاكرة النهار لنا على رحلتين؛ رحلة الصباح، ورحلة العصر، وكان طريقنا الموشى بسندس وزبرجرد ينتهي مع طرق بلدان أخرى مجاورة، وفي نهايته دوحة عظيمة من التوت، وساقية قديمة تحتها، فصرنا نتخذها استراحة لنا، نراجع أحيانا ما ذاكرناه، ونمزح أحيانا، ويبث بعضنا لصاحبه نجواه أحيانا أخرى.

ومع مرور الأيام صار كثير من طلاب الثانوية والجامعات من قريتنا والقرى المجاورة يحذو حذونا، وأصبح الطريق عامرا، يموج بكل صنوف طلاب العلم، وصارت شجرة التوت أشبه بملتقى ثقافي، أو صالون أدبي، أو حلقة بحث علمية، بل قد يتحول أحيانا _بلا مبالغة_ إلى (سيمنار) يعرض فيه أحد الشباب علمه، أو قصيدته، أو فكره، فيناقشه ويحاوره وينقده الجمع.

كان ثراء ذلك الملتقى يجذب إلينا كل يوم زرافات ووحدانا ممن يعرف أخبارنا من الطلاب؛ فمنهم من يريد التجربة، ومنهم من يريد أن يدلو بدلوه، ومنهم من جاء من باب الفضول أو حب الاستطلاع.

وذات يوم كنا ثلاثة نفر يحمل كل منا كتابه ونمشي طريق العزة، وبينما الجميع مندمج، إذا بعجوز على أتان لها، قد أدركتنا، وكالت لنا من الدعوات ما أسعد قلوبنا، وأراح أنفسنا، وكان مثل هذا يتكرر معنا كثيرا بصور مختلفة، فإذا رأنا أحد أهلنا ممن يعملون في الحقول، فنراه يعلي صوته بالترحيب وشد الأزر والدعاء.

مرت الأيام ومن الله علينا، وانهينا المرحلة الثانوية، والتحق كل منا بالجامعة، و بقينا على حالنا في طريقنا المزدهر المزهر، وكما هي حال الدنيا لا تبقي على حال، انتهت الدارسة الجامعية، وانتهى معها طريق البركات، لنبدأ طريقا أخرى ذا عطفات ومنحنيات و عوائق وحفر، نسأل الله جوازه على خير وبخير .

بعد كل هذا الوصف لطريقنا الوردي وأحلامنا الخضراء أريد أخبركم سرا صغيرا، لم يكن أحد من هذا اللفيف على اختلاف مستوياتهم العلمية، ودرجات ذكائهم يعتمد على درس خاص، أوحتى دروس تقوية في مجموعة بعد المدرسة، إنما كان اعتماد الجمع على شرح المعلمين في المدرسة، ثم الاستذكار والنقاش؛ إما مع الزملاء أو المعلمين، وحينما كان يستعصي على أحدنا أمر، كنا نستعين بالزملاء في سنوات الدراسة الأعلى ممن درسوا نفس المناهج.

بكل أسف صارت النظم التعليمية في بلادنا لا تعطي مساحة إلا للحفظ الخالي من كل فرصة من إعمال العقل، أو التفكير الناقد أو الإبداع، وصار تقييم الطلاب على ورقة يكتب فيها كل ما يحفظه طوال العام حتى يحصل أعلى الدرجات؛ لتكون سبيله إلى مستقبل أفضل، فصار ذلك السباق المحموم نحو ذلك الهدف دافعهم إلى كل ما يحققه، من دروس خصوصية ليل نهار، إلى سرقة التلاميذ من طفولتهم وتحمليهم ما لا يفهمون ولا يطيقون.

أصبحت كل فرصة متاحة لتلميذ مبدع، أو معلم ذو ضمير محكوم عليها بالفشل، لم يعد هناك مساحة أن يكتشف الجميع ما يميزهم، أو يدركوا أن لهم فطنا وعقولا تميزهم عن غيرهم من خلق الله، هي مناط الفكر والإبداع والسمو، لم تتح الفرص لهم أن يكتشفوا في أنفسهم أمرا هو لهم دون غيرهم هبة من الله ونعمة.

 وجل ما أخشاه أن نستنسخ جيلا يشبه بعضه بعضا في كل شيء، فإن وصلنا إلى هذه الحال _ونحن نوشك_ فلا أمل في الرجوع إلا أن يدركنا الله بمعجزة من عنده.