سيجموند فرويد، في كتابه (موسى والتوحيد) قال:" إن عقدة اليهود الأزلية هي الحضارة المصرية القديمة" وفرويد _لمن لا يعلم_ يهودي، وهو طبيب أعصاب نمساوي ومن أهم رواد علم النفس، ومؤسس مدرسة التحليل النفسي.

‏والحقيقة أن فرويد أصاب كبد الحقيقة، فالشخصية اليهودية المركبة المتناقضة العدائية المستكبرة المنتكسة كانت دائما ما تسعى إلى سد هذا الفتق الشنيع فيها، فهم علموا عيوبهم ومثالبهم وطوامهم منذ أراد الله بهم خيرا وأرادوا بأنفسهم سوءا، فصارت الشخصية اليهودية في صراع مستمر ودائم؛ صراع داخلي بين تناقضاتهم، قبل أن يصبح صراع خارجي مع الأمم والشعوب التي كانوا وبالا عليها بمجاورتهم.

‏كان الله (عزوجل) عليهم حليما صبورا غفورا، وجعل لهم من الرسل والآيات ما يعيدهم إلى جادة الطريق واستقامة الأمر، لكن سبحان الذي خلق وقدر وهدى، واطلع على الغيب، وفطر قلوب العباد، وقلبها كيف شاء، وسلط أمم على أمم بما كسبت أيدهم، واستعمل واستبدل من عباده من شاء.

‏واليهود على وصفهم هذا، وعلى تاريخهم المشؤوم، منذ أنزل الله عليهم الرسالات حتى يومنا هذا، كان لهم صراع مع أمم شتى، لكن أكثر ما ثبت تاريخيا، وجاء مقررا في كتاب الله، ما كان من شأنهم مع أهل مصر وأهل العراق، فكلنا يعلم ما كان من أمر فرعون مع بني إسرائيل، وكيف سامهم سوء العذاب ونكل بهم، وما كان من أمر ملك بابل (نبوخذ نصر) وزجهم في سجون بابل أعواما عديدة، وكان فضل الله عليهم في كل مرة عظيما، لكن كيف ينسى الثعبان أنه ثعبان، فكانوا لا يشكرون ويبدلون نعمة الله في كل مرة.

‏وهم في هذا لم ينسوا قط ذلك التاريخ مع الأمتين، ما كان لهم من أيام كقطع الليل المظلم، فتأصلت العقدة التاريخية الأولى، ونشأ الصراع التاريخي.

‏ثم يدورون عبر دروب التاريخ من ضعة إلى ضعة، وصغار إلى صغار، وهم يمنون النفس يوما بعد يوم أن يعود لهم شرف الرسالة والاستعمال بعدما استبدلهم الله بما بدلوا دين الله، لكن يأبي الله إلا أن يضع رسالاته وأمر دينه في القوم الصالحين، فجاءت صفعة أهرى والعقدة الثانية، لما من الله على العرب من دون الناس أرسل فيهم رسولا منهم، فأيقن اليهود أن ذلك استبدالا لا استعمال بعده، وذل الدنيا والآخرة، وزاد من إحكام العقدة، أن الأمم التي استذلتهم بالأمس صارت أمما مسلمة موحدة، فصار الصراع العقدي أثبت وأتم بما فضحهم الله في كتابه، وبما قام به أبناء تلك الأمة من البيان والتفصيل والفضيحة لهم، واستبراءً لأنبيائهم من بهتهم.

‏وتأتي عقدة ثالثة وصراع لم ينتهي بعد، نوقن أنه سيكون هو النهاية، لما كان صراع الأرض والحدود مرتبطا بالعقدتين السابقتين، علم اليهود يقينا أن الصراع الأخير سيكون في تلك البقعة المباركة، وأنهم لابد أن يجتمعون في أرض الميعاد، وهم فيما نحلوه على الله كذبا يرون أنه لن تقوم لهم قائمة إلا على أرض فلسطين، فصار صراع الجغرافيا الذي بدأ مما يزيد عن مائة عام، حتى استقر لهم الأمر وهما منهم ومكرا من الله، ونحن معهم نوقن أن أرض ميعادهم هي فلسطين، وأنها نهاية الصراع، وثالثة العقد.

‏فالله أسأل أن يقر أعيننا يوما بما قدر عليهم طوال تاريخهم بالتشريد، وأن يجعلنا غيظهم وعقدتهم ما دامت السماوات والأرض.