أولى الكلمات

الأغلبية يتبادلون عبارات stay with me بمناسبة حلول عام 2022، إلا الفريق الطّبّى - الناشئ الصغير-المُتَيبّسَ هنا مِنْ حرارة الاختبارات، لا يُدركُ حقيقة نهايةَ عامٍ وبدايةَ آخر، ولا المعنى من كلّ هذا، غير أنّ هناك اختبارًا انتهى، وآخرُ يآتى ولا أبالى بمتى!!،

الأهم لديّ تلك اللحظة التى سأترك بها ورقة الاختبار، وأتدَثّر بالِغطاء،
فكُلّ الأعوامِ لدينا مُتشابِهة، وجميعُ الأيّامِ متَقارِبَة، يَدٌ اصطبغَتْ ببُقعِ الدّماء، وصُراخٌ لنِساءٍ مكلُومةُ الفؤاد.

وأيُنَ المفرُّ مِنْ كُلّ هذا؟!، وأنا أشيّعُ الموتَ مِنْ حبيبٍ إلى غريبٍ، فلم يكن لقلبى وكبدى غير القسوةِ والغِلظةِ، حتى تجَعّدَ جلدى كشائبِ الخمسينَ، وأنا ابن العِشرين.

فمنْ أين كانتِ البداية، وأولى الخطواتِ فى ذاك العالمِ الرّمادىّ!

أمّى العزيزة،
لا زلتُ أذكُرُ أيّامًا، اجتنبنى بها أنظَارى من أطفالُ المدرسة بدعوى أنّى مُتَفَرّدٌ عنهم بسُمرَتى المخملية الداكِنة، وشكوى أساتذتى الكثير مِن صمتى البارِدْ كثليجِ باريسَ فى شتائها،
وهمْ لا يعلمونَ خوفِى الدائم مِنَ الحديث، واضطراب قلبى منْ أن يكونَ لى صديقًا، سِوى الصّمتِ، أصدُقُه خوفى وأسرارى.

ومع ذلك، يُنشِدونَ أنّ مُستقبَلى مثلُ لونى، كما القاع لبئرٍ جفَّ ماؤه، لا نفعٌ له ولا فائدة، فلا مناص له غيرَ الرّدمِ والموت.

وتمُرُّ السنوات، والوِحدة خيرُ خليلةٍ لأيّامى، وكلماتُكِ الأخيرة مختومةٌ بقلبى،
تشدُّ إزرى يومَ ضعفى، وتكُفّ عبَراتِى يومَ حُزنى، وتلملم بعثَرة أيامى، فالحياةُ لن تنصُرَ ساكِنًا أو ضعيفًا.

وأحبُّ إخبارَكِ اليوم أنّى فعلتُها يا أمّى، وتجاوزتُ ضعفِى وصمتى، وكسرتُ حاجِزَ الخوف، ووضعتُ أولى الخطواتِ نحو القِمّة،

التاسِع مِن سبتمبر لعام 2017، أوّلُ يومٍ لى فى كلية الطّب، ومن هنا، أصبحتُ محلّ الاهتمامِ مِن أولئك-أنظارُ الأمسِ- ليقتسموا بين مًباركِ مُحبّ، ومتودّدٌ مُترصّد، وأنا غنىٌّ عنهم جميعًا.

فقد تعلمتُ يا أمى، أنّ من ازدراكَ يومَ ضعفِك، لن ينْصُرَكَ يوْمَ نَجدَتِكْ، والحياة ساحةٌ للضّوارى، إنْ لم نكن فيها كالأسود، فمِثلكُ كما الفريسة ستأكُلك الضِّباع، وإن تعاهدوا على ألّا يكونوا.

وإنْ تعاقبت الأزمان، فإن لكّلِ ابن ءادم طَبعٌ يغْلُب تَطَبُّعَه، وألا إنَّ لكُل إنْسىٍّ مُضْغةٌ، إن صلُحَتْ، صلُحَ الجَسدُ كُلُّه، وإنْ فَسًدَتْ، فسَدَ الجسدُ كُلُّه.

وهاهى الاختبارات والمعارك تأتى تِباعاً، لأصنَع مِن قلَمى، سيفاً يُدَافعُ عنِ الحقِّ، ولا يخْشى فى الله لومةَ لائمٍ، ولِجاماً لُكِلِّ ظالمٍ مُستبد، ولم يكن شئٌ أصعبَ إليّ غير البداية، بدايةُ كل شئ جميل.


بالأمْسِ، لم نَكُنْ لِنَجْتَمِعَ " أنَا والقلمُ" على دفتَرٍ واحدٍ، ولكنّها العادة الحاكمة، فهى دومًا سيّدةُ الأمرِ والنّهْى، وأنا لها - بغير وعىٍ- طائع، مِثلى، كما الآلات الأوتوماتيكيّة، ضغطة زرّ، أو تحريكُ ذراع، فينتهى اليومْ قصيراً، ليبدأ الغدُ جديداً مملّا كسابقه، كل شئ باهتُ لونه، كماالحبُّ، إنْ جُرّدَ مِنْ صِدقِه، بقىَ اللفظُ وارْتَحَلَ المعنى.
وهكذا، قويّا أتملّص مِنَ العاداتُ يا أمّى، حتى قابلتُها،

وتبدّل كُلُّ شئ، وتقيّدت معها حُرّيتى، بل قلبى، وما رأيتُه رماديّا، تبدّل بالوردي، كأنّى انتقلتُ مِن عالم لآخر، ولا أعلم المُهتدى، فكثيرا ما يقولون:
" يُولد الإنسانُ حُراً حتي يقع في الأسر، أسرُ الحروبِ، أو الحُبِّ، وربما دينٌ لم يسدد، والأسوأ أسيرُ الفكرة الخاطِئة، فيموت وهو علي قيدِ الحياة"

ولا أعلمُ، أكان ذاك الحُبُّ!، أو أنّه عارِضٌ مِثلُه!، فلم أتعوّدْ أنْ أفَكّر فى الشّخصِ طيلةِ اليومِ، فرغمَ اهتمامى بالتّفاصيلِ الصّغيرة، لم أكُن لها يومًا أسيرًا، وسُرعانَ ما أطلقُها لعنان السّماء، إذا، ما هذه الحال؟،
وأنا أحادثُ سماءًا لم أكن أدرك يومًا أنّى أفهمُ لغتها، وأحسِنُ ترجَمةَ ألوانِها.

أجاء اليومُ ليكونَ بليدَ الحياة، هو روميو الجميلة جوليت!،
أم أنّه أحد الجُّروح المُتراكِمة فى صدورِنا، يطفو على السطحِ، ليذكّرُنا بما مضى من هشاشةٍ لنفوسِنا، لنبكى بحُرقةٍ لأسبابٍ ولو قستْ، فإنّها تافهة.

وفِكرة أن أظلَّ الشخصَ المُفضّل عندَ أحدِهم، هى فِكرةٌ مثاليّةٌ لدرجة أنّها مُستحيلة، فالكلُّ قابلٌ للاستبدال فى أيّ لحظةٍ،
وكان لزامًا أن أتقبّل فكرة، أنَّ الحياة قصيرة جدًا، وقِطارُها لن يتوقّف عند أىّ مرحَلَةٍ مهما يكن تعلُقِى بها، فهى لن تُبَالى بقلبِى مِنَ الأساس، وكُلُّ شئ أحبّه وأحببتُه، مُعرّضٌ للخسارةِ فى أىّ لحظةٍ،
وهذه الفكرةُ رغمَ قسوتِها، علّمتنى الاستمتاعَ بكُلِ لحظَةٍ من حياتِى، فلن أعيشَ العُمرَ مرّتين،

وفى أيّ لحظة، قد أكون مِثلَ عودِ الثِّقابِ الذى يحملُ موتَه فى رأسِهِ، فأولى لى، أن أعِيشَ مؤمِنًا سعيدًا، ولا أتعلّقْ بالآخرين، فلن أبقى فى الأذهانِ طويلاً.

والحياة رِحلةٌ قصيرة، لسنا مُؤمّنينَ فيها ضد أىّ حادِث، ولا نملِكُ إلا أن نختارَ الوجهة الصحيحة ونُحسِنُ القيادة،
ونؤمن بالنّهاية أنّنَا كُنا نهرولُ فى الحياة هربا من أقدارٍ، لنكتشف بالأخير أننا لا نفرُّ مِن أقدار الله إلا لأقدارِ الله.

وهذا ما جعلنى أدرِكُ أنّ استيائى وفقدانَ احتمالى وقوّتى، ليسا الميزانَ الذى يُوزنُ به العَدلُ والاستحقاق.

وأصلُ للختام فأكتبَ النهاية:
أنَّ الله لطيفُ بنا، يبتلينا بابتلاء صغير لننشغل به عن وجع ابتلاء آخر أكبر منه، فننشغل بهذا عن ذاك، ومثلى، ربما لا ندرك هذا إلا بعد وقت طويل، أو لا ندركها أبدا.

عام 2022

مسابقة رقيم 2021