أصارع بكل قوتي لأخرج من نوبة اكتئاب عنيدة، جاءت على حين غرة بعدما ظننت أنني شرعت بالتعافي، كلما هممت بأخذ نفس، لا تتركني حتى تجسم على صدري من جديد، وكأنها أقسمت ألا تتركني لحالي، سبعة أيام وأنا أسبح في الظلام، ويحاوطني السواد، أوقفت كل حياتي واستسلمت لزوبعة أفكاري وعواصف قلقي، لم أذهب إلى جامعتي، لم أفتح كتابًا وامتحاناتي على الأبواب، لم أعد أقرأ، توقفت عن مشاهدة مسلسلي الذي كان يهون عليّ، انسحبت من كل علاقاتي التي هي أشباح علاقات.

لم أتحدث إلى أحد طوال سبعة أيام، وكيف لي أن أحادث أحدًا وأنا وحدي في الشقة، والظلام هو صديقي الوحيد، حتى  الكتابة تتطلب مني طاقة خرافية كي أخط تلك الحروف، لكني رأيت فيها آخر آمالي كي أخرج من قوقعتي، فلطالما كانت الكتابة أهم رفيقاتي في رحلة التعافي، وأظن أنها لن تبخل على أبدًا بصداقتها في تلك الانتكاسة أيضًا.

ااااه، تلك الانتكاسة التي أظل أقنع نفسي أنها مجرد انتكاسة وأنني سأعود للحياة من جديد، لكن في أعماق أعماقي، أشعر أنني في مدينة دُكت بأسلحة نووية، وكلها خراب، وأنا أحد الجراحى المصابين بجروح بالغة، وما هي إلا أيام حتي توافيهم المنية.

مهزومة أنا كجيش قتل قائده، ويقتلني الشعور بالذنب وكأني من أخرجت آدم من الجنة، لطالما سألت نفسي لماذا يرافقني هذا الشعور العميق بالذنب كظلي؟ على أي جريمة ارتكبت؟ أفتش في كل أرشيفي، في كل سجلاتي، كل تاريخي القصير على هذا الكوكب، فلا أرى أثرًا لأي شيء قد يخلف هذه الوحوش التي تتغذى على هذه الخوف والفزع الذي يعلقم حياتي، هذه الوحوش التي لا تتواني عن قذفي بأبشع التهم، اااه رأسي، لم أعد أحتمل كل هذه الأصوات التي تصرخ في يوميًا بأني الأسوأ في العالم، بأني مهما فعلت فإني ناقصة، ومقصرة، لن أصل أبدًا، ولن ألبي المطلوب مهما فعلت.

 الخطأ بي دائمًا، حتى لو مد أحدهم يده  ليقتلني، سأكون أنا السبب، تتآكلني أفكاري، أموت بالبطيء يوميًا، بداخلي مئة حرب تدور على أتفه الأشياء، عن كل شيء وأي شيء، والغريب أن تلك الباقة المتنوعة الشديدة التفاوت من الحروب، تتفق على شيء واحد أنها تصب جام غضبها ولعناتها عليّ، وتوجه أصابع الاتهام دائما نحوي.

مستنزفة أنا، كمدينة محاصرة منذ شهور، ونفذت كل مؤنها وطعامها، وأكل سكانها كل قططها وكلابها، ولم يعد أمامهم سوى الانقضاض على أنفسهم. أتخبط في كل الطرق، لا أعرف ما أريد، لكني أريد شيئًا واحدًا أن ينقشع ذاك الظلام المحيط بي، ويسمح ببصيص من أمل يجعلني أتحمل تلك المشقة الهائلة في أن أتنفس يوميًا، وأن تهدأ تلك الأصوات التي تصرخ بأني الأسوأ على الإطلاق، وأنني السبب في كل مصائب العالم.