قد تأتي علينا بعض الأحايين في دنيا الناس تغلب علينا فيها مشاعر مختلطة، ومعان مستفحلة، وأحاسيس غامضة، تسكن أعماقنا، وتعشش في بواطننا، تحيلنا على الحيرة، وتدفعنا إلى التفكر في تلكم المشاعر.

ذلك الطارق الغريب الذي دخل من دون استئذان، من العالم الخارجي إلى كواليس ذواتنا، حيث الهوية تتكلم، والخصوصية تتحدث، والتملك ينادي بأعلى صوته، يأبى الذوبان والانصياع، والتبعية والانقياد، من كل عنصر خارجي دخيل يرمي إلى غزوه والاستيلاء عليه.

قد يبدو كلامي لقارئه للوهلة الأولى طلاسم لا أول لها ولا آخر، ورموز مشفرة يصعب تفكيكها والوصول إلى حقيقتها، لكن الأمر في الحقيقة مجانب للحقيقة، على اعتبار الظاهرة الإنسانية معقدة المعالم، ومتشعبة المذاهب، ومتعددة المشارب، لا يمكن الإحاطة بها واستيعاب تفاصيلها وجزئياتها، عكس الظاهرة العلمية التي تبنى على معطيات محددة تؤدي إلى نتائج معينة تعكس السببية الموجودة بين المعطيات والنتائج.

لست هنا بصدد إعطاء دروس في العلوم التجريبية، فلست أهلا يناط به هذا الأمر، وإنما غرضي هو التأمل في الذات الإنسانية، التي امتن الله بها علينا، والتوغل في كينونتها، وسبر أغوارها اللامتناهية.

كثيرة هي التحديات في هذا الباب، لذا نجد الأمر الالهي فيه دوما حث على التفكر في الذات، وإعطاء فرصة للعقل للتدبر باعتبار المكلف خليفة في الأرض وركيزة لعمارتها لتحقيق الاستخلاف والعبودية باعتبارهما الغرض من خلق الإنسان لقوله تعالى :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"