أذكرُ أنَّنا كنَّا نتعلم رسم الكلمات حرفًا على الورق ونطقًا على شفاهنا؛ فيكون التناغم بين المكتوب والمنطوق صياغةً وإعرابًا وإخراجًا صوتيًّا.

ولا أذكر أن المعلِّمين كانوا يبذلون جهدًا مستحيلًا، لقد كانوا فقط يمارسون الأمرَ بمنتهى العفوية والعناية، وبوعيٍ تامٍّ كيف يمنحوننا حبَّ اللغة، وحبَّ الكلمة، وسحر المقروء؛ خاصةً لو كان بأصواتنا، فكنا نتنافس في التعبير الشفهي والكتابي، والإبداع في الكتابة خارج المقرَّرات والواجبات المنزلية، فظهر منا الشغوف بالبحث العلمي، وظهر منا الشغوف بالتأليف الأدبي.

بعد سنوات بهت ذلك، وتجلَّتِ النكسة في مختلف أشكال الكتابة: العلمية والأدبية والمراسلات الشخصية.

وعندما تُصوِّب شيئًا ما فقليلا ما تجد التقبُّلَ والرضا، حتى أنني أحيانا أصحح أخطاء مراسَلَات أخي الصغير، فيتحجُّ بالمعنى الواصل إليَّ وأن هدفَه السؤال والاطمئنان وليس الجلوس في حصة درس، فيحزنني ذلك وأقول له إن التصويب يفيدك في عموم حياتك ولا يليق بك الاهتمام بالفكرة وإضاعة بنائها اللغوي.

يحدث مثل ذلك مع كاتب رواية يقول لي إن الأهم هو الفكرة، أما اللغة فلها صناعُها ومصححو هناتها، فأحتج بالقول إن المدقِّقَ ليس بساحر، وإنما هو يتتبع الهنات لا الكوارث، لأن هناك نصوصًا إما لا يليق بها أن تعيش أصلًا، أو أن يُهدَم كثير منها ويُبنى من جديد؛ وهذه نقلة من التصويب إلى تحرير النص، وهنا يصبح للنص شريك في الكتابة.

فإلى متى نرى هذا العبثَ في لغتنا الجميلة؟! وأين هم حاملو لواء الدفاع عنها من هذه الهزائم المحقَّقة كلَّ يوم؟!