أغلقَتِ البابَ ريبَتُهُ آلرعناء.أخذَ يطوفُ بالحُجرة مخبولا مضطربا مترنحا يتخبط في قطع الأثاث القليلة.يضربُ بقدميْه العاريتيْن الأرضَ ساخطا.يصعد الدم الى وجهه وقنة رأسه.يشد على شعر يافوخه المفلوق بلواعج لا تُرَى بعنف كمَنْ يريد آقتلاع نباتات شوكية من أرض بَوار حيث الحصارُ يطوق الحصارَ.يتهالكُ على كرسي متهالك بجانب ما يشبه مَكتبا..بعض القراطيس نُضدت هنا هناك في غرفة بألف كتاب وكتاب وكنانيش مفتوحة مغلقة في كل مكان.أسْنَدَ الجبهة آلمتغضنةَ بيديْه وراح يَرْنُو الى تلك الصور المُلْصَقَة في الجدار أمامه..وجوه مختلفة تنظر اليه وجوه لا تُبالي بالأيام والليالي..ملامح يعرفها قليلا أو كثيرا..كان هناك هيجل هادئايتوسط جموعا مُبْهَمة وماركس بلحيته يبدو كالشيطان وفوكو واضعا راحتيه على صَلعته الناصعة المُترعَة بشذى البحث عن تاريخ لحمق ليسَ يَسْلَمُ منه نيتشه في عالم قَميئ غير قوي يُسَمّى عالم العقلاء،وباروخ سبينوزا متأملا كعادته سعادة الذات والحياة،سوناتة شوبان كانت هناك صائتة هامسة صامتة في وجود أعرج من عدم أصم لا يعي لا يفقه إلا مزيدا من الجَلبة في حياة تنتظر تناسل التتار في بيد لا أفياء لها لا ظلال لا جبال سحرية تعوي فيها ذئاب وهاد هرمن هسه،وباشلار رانيا في أفق بلا دفء بلا أحلام،وأفكرُ أنا مهموم بشعره الكث المسترسل يبتسم آبتسامة مبتسرة،وغبريال غارسيا ماركيز يستسلم لوحدانيته الفريدة في جَزائرَ مائة عام من العزلة،وبيكيث عبثا ينتظر،وجنيه ومارسو كامو،كونتان فولكنر،دَرْدَابُ أوسكار،ستيفان زفيغ،بندقية دماغ أرنست همنجواي،حُجيرات جيوب فيرجينيا وولف، يوكو ميشيما والمنتحرون والغرباء والوجوديون كلهم ومتاهة الغرق في فُوهات العَدم ودَوَّاماتِ جهنم التي لاينتهي فَحيحُها الحارق لمسوخ بابلَ وسدوم عمورة الغاطسين في شَبَق كالصديد لا ينقطعُ وهجُه اللافحُ الذابلُ إلا ليبدأَ من جديد،في بحار هاديسَ المضطربة بوميض ترقصُ جمارُهُ الضارِيَة الراجمة الغائرةُ في آلامنا وأشلائنا المَهروقة على قارعة طرقات أربع وأربعين حيث رقصات الأنتيك تهتز كالزلزال على إيقاع الصخب والعنف في أزمان الكراهية والكوليرا وأوبئة التيفوس المخبرية،وزمن غاشم قاصمٌ قاصل يُضِلُّ وقعَ حوافر أسود الأمازيغ الأباش والأزديك، يُحَرِّفُ نغمات سانتور أورفيوسَ وزوربا وهجهوج الغيوان اللاَعنينَ كلّ العوالم دون اكتراث..و"محمد عبده"كان هناك على ذاك الجدار البارد الصفيق يُبشرُ حصافة تولستوي بالجنان الخافقات بعيدا عن صقيع المنافي البيضاء رغم أنف جبروت وصَلَف شمامسة الإكليروس..و"السيدُ كافُ" المتحول المخبول يُعَاود من جديد محاولاته الخروجَ من طوق الحديدِ في دهاليز وأقبية محاكمات يعدو يلهث في دهاليزها يلعن مسوخات قميئة في مُدن من ملح الأُوارِ والبوار مُعانقا ما تبقى له من خواء وعُواء وعَراء دون عَزاء لينتكسَ في غرفته السحيقة غير عابئ بالحياة والممات وما يقع ولا يقع في الجوار..وها..أبله ميشكين دوستويفسكي يبكي لجريمة راسكيلينكوف ويرثي لحال الأرعن:ديمتري الكسندروفتش في المحاكم الجانحة جائرا بأعلى نشيد:(سأحطمُ حسامي فوق رأسي وأُقَبِلُ شظاياه..أطلقوني..لا تسلبوني ربي.. إنني أعرفُ نفسي وسأثورُ..إن قلبي مُثْقَلٌ بالهم أيها السادة..اطلقوني. اطلقوني..!!..)...