يَعْبُرُ الشارعَ الفراغُ آلأسودُ وأنا،وأناسٌ لا ملامحَ تُميزهم هنا وهناك تُرَى ظلالُ أشباحهم.إنهم يَمرون وكفى كما مَرَّ قبلهم الكثيرون وكما سيمر بعدهم الكثيرون في سلسلة لا تنتهي تكتكاتُها الرتيبة..وجوه لا تعبيرَ فيها. حيادية.خالية من كل إشارة تدل على عوالمهم ودواخلهم..يعبرون ثم يغبرون.يتناسلون في عبورهم. يتواترون رغم قلتهم..رتل من مخلوقات نكرة على شكل بشر من كارطون أو كاغيط النيلون.في الكيس وراء ظهري سمكات ماتتْ غَلاصمُهن، فهن يتنفسن بلا فائدة أو كذلك بَدَوْن لي.ماتت ندواتهن منذ مدة لا أستطيع تحديدها بالضبط،قد تكون طويلة،قصيرة..لا أدري..المهم أن النَّفَسَ آنْحَبَسََ،لا شهيق فيها لا زفير، وقلبهن السابق الخافق لم يعدْ يدق تلك الدقات العجيبة الصاخبة بشيء عزيز آسمه:حياة...لا أعرف أحدا.الوجوه باردة.لا أعرف منها إلا القليل،لكن معرفة عابرة في أويقات خاطفة..في السماء،ضباب أغبرُ يخفي أسراب طيور آحترفت ارتياد المَطارح حيث تقتات من الجيف وبقايا النفايات..طيرُ البحار، طير البُغاث، دجاج الماء الموسخ بمستنقعات فضلات البشر تحلق جماعات وفرادى في آتجاه خارج المدينة في موعد لا تخلفه مع مُخَلفات يستغلها الفلاحون والأهالي سمادا لغرس ما يزودون به دورات آلأنام البيولوجية.كل شيء قابل للاستهلاك، إننا نقتات أي شيء..المهم أن تظل الأسنان مشتغلة،وهذه الآلة الطاحنة مُستمرة في علكها الممكن والمستحيل،سيان عندها مادام هذا الجسم قابع على هذه البسيطة يطلب ويلح في طلب المزيد من أجل المضي في هذه الحياة..يجب أن لا أولي الاهتمام لمثل مثل هذه التفاهات..نعم..سخافات..استهلكْ واصمتْ.. لاتفكر..لا تثرثر..لا تتكلم..!!..فذباب نفايات المطارح يترقب فقط ويتحين فرصة آنفتاح الأفواه كي...يعبر الإسفلتَ آلمُنَـدَّى خواء من غبش الصباح.الزقاق فارغ إلا مِني ومن تاجر فوق طِـوَار ضيق يتلكأ ببلادة في ترصيص بضاعة مُدَلاّة في الخارج كوطاويط مقرفة. ربما يفكر في آخر الشهر وحياة التقسيط الموزعة عبر حوانيت الجملة ومتاجر الحي وغير الحي..لاحياة لديه تستحق أن تُعاشَ بعد كل هذا العمر الطائش..إنه يعدو يركض طيلة النهار والليل ليُصور بضع أشداق من رأس المال لا تكفي أرباحه_إنْ وُجدتْ_الأفواهَ المُشرعة لأفراد العائلة المنتظرة هناك..تجارة التقسيط تترقب فرصة ما لبيع سلعها..يتحرك الجسم بالتقسيط.تعيش الروح بالتقسيط.تخمد آلأنفاسُ بالتقسيط.تُـؤَجَّـلُ آلأعمارُ بالتقسيط.كل شيء قابل للتقسيط..البضائع المرصوصة في الزوايا والمخزنة في الدهاليز والنَّـائِسَةُ في الهواء كالأقدار المزهود فيها، الدرجات الإسمنتية المعقوفة، الصعود، الاِنحدار، أسلاك الهاتف المفرغة من الحياة، بالوعات المزاريب، قُصاصات الزليـج الأحمق المفروم تحت عجلات المارين الآئبين والرائحين والغادين لاتجاه وبلا آتجاه، بنو البشر، الأشياء، أكوام الخشاش المصفوفة في فوضى في أكياس ينوء بحملها ظهري الوهن، عصاي التي أتوكأ عليها والتي لي بها مآرب أخرى لا أقوم بها لأني لا أستطيعها أو لا أعلمها، حروف زغيبات البياض المتبقية من سنين آلعثرااات، حتى نسيم الصباح هذا الصباح، يخرج مُعلبا مُصفحا مُجزءا من ثنايا أو من ثغرات حواف غير مرئية ليصطدم بجدران بلون البَرَص،يطوف في رصيف الخواء، يصعد الى فوق عبر الدرجات الباردة مستندا على درابزين مثلي كعجوز مهترئ يهاب التعثر يجفل من السقوط، يصل إلى لاتيراس أين تبدأ الشطآن والبحار.يجد الفراغ والتبلد، يقصد مباشرة بالوعة المرحاض ويغرق فيها دون أوبة...السمكة تَعُومُ.تَعُبُّ الحياةَ من الماء وفي الماء.ترمق شيئا أبيض مُغريا يثير الاشتهاء .تدنو.تحرك زعانفها بحيوية.تترقب.تقترب. تتناول الطعم من الشص..هووب..تقع..تتحرك في ردود فعل سريعة..تتخبط يمينا شمالا دون هداية..لقد وقعت..الصياد في مكانه ينتبه.يجذب.هي لا تستطيع فكاكا.."حب أم فجيعة؟"..لا تقدر فعل شيء..تنتفض دون جدوى.."أظنه حبا.." ..تَمُـرُّ لحظات.تصمت فيها غلاصمُها.تجمد الزعانفُ لتستقرَّ وأخواتها في كيس من أكياسي المحمولة على ظهري...أدْعَكُ ذبابةً آستقرتْ صُدفة على جبهتي.أنظرُ لبقايا الدم مُختلطا بأمعائها وأشيائها الصغيرة في يدي.أضحكُ.أمسحُ بطن راحتي على مؤخرة بنطالي.أتجرعُ ماء.أتمضمضُ.أبصقُ أمامي كيفما آتفق دون مراعاة أي أحد..لا يهم..فالفراغ يحفني من كل آتجاه..إني أثرثرُ لا محالة..أعرف ذلك...قهقهَ الفمُ للريح،فدخل للتوِّ الفمَ الذبابُ والغبارُ والباعوضُ، ذاك الذي حَثَّ خطاه سريعا من مستنقعات خارج المدينة وداخلها ومن كل الأنحاء..مهترئ أنا أجر جثتي في إسفلت أحمق غير مبال بخطواتي المتهاونة. متخشب صبيحة أحَـد فارغ،أمشي أرنو الى وجوه غير موجودة تمر في ذاكرتي ناجية من هذيان النسيان وأفخاخ آلخرف.الأشياء متصلبة لا إحساس فيها،فقط صوت الانكفاء يعانق الاِنكفاء.بعض القطط يطارد بعضها بعضا قرب الفوهات الموصدة..الجو جميل هذا الصباح،هكذا فكرتُ..نسيم البحر والزهور الصغيرة والحشائش في أكياسي يتلاعب في الأجواء كما الرغبات بين الأضلع أثناء الانتشاء في الأحلام المستحيلة.ثقل الخطوات يزيدني آتزانا في آقترابي من مدارج مآدب شفير النهايات المرتقبة في آلأفق أين تزقُـو البطاريق حرة فريدة لا أطواق تطوق رغباتها الخالدة..القطط التي كانت تنط قبل قليل آختفتْ،ربما آبتلعتها البالوعات الموصدة فوهاتُها.دخل بَشَرٌ العراء العاري.خطا آخرون مربعات آلإسفلت الميت.لا أعرف أحدا..تعابير الوجوه حيادية.خرجتُ من خروجي. قصدتُ أمامي.نظرتُ الى الساعة في يدي، فآنتبهتُ أني لا أملك ساعة.ضحكتُ بعض الشيئ..سَـ.. سَـ...سَوفَ أفعل شيئا..سَأصرخ ربما أعاود الصراخ، لكني لن أفعل شيئا،فقط سأسْأل عن..لست أدري ماذا،سأُخْطَـرُ بأجوبة غير ذات هُـدَى،أعبرُ المَــدَى ثم بكل ببساطة أنصرف، أكنس رأسي وأخطوها خطوات عرجاء تطأ ما تبقى من لفافة أزهاري شيبتي كان قد أحضرها معه الزمن لمناسبة ما نسيتها.أبصق لستُ أدري لماذا وأكمل طريقي وفي أذني صَدى نغمات تنبعث من بَعيد من مُكبر صوت مذياع كخرافة منسية يكذب على للناس:صباح الخير...