قصيدة مرّ عليها أكثر من سبعة أشهر غناها الرادود الحسيني الشهير الحاج باسم الكربلائي أحدثت حالة من الجدل في العراق ،وأثارت سخط الكثير من العراقيين ومن خارج العراق أيضاً ،فالحاج باسم يمتلك قناة يوتيوب تجاوز التسعة ملايين متابع . ببساطة شديدة القصيدة تطعن في الصحابة والخلفاء الراشدين كتبها الشاعر عبد الخالق المحنه وتتهمهم بتهم خطيرة تخرج من الملة وإن لم يسمِ أحداً منهم ولكن بربط كلمات القصيدة المسماة حبر الصحيفة بالروايات في التراث العراقي وعند كثير من الإمامية نجد أن الاتهامات بحرق بيت السيدة الزهراء عليها السلام و بضربها وبكسر ضلعها وإسقاط جنينها الذي يسمي محسن وأنها ماتت بحسرتها وألمها بسبب ذلك .

أصابع إتهام القصيدة تتجه نحو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه بأنه قاد هذه الهجمة العنيفة كما جاءت كلمات القصيدة التي أنشدها الكربلائي في ذكرى ما يعرف باستشهاد الزهراء في إحدي الحسينيات وسط أجواء عاصفة ومشحونة يشهدها دوماً مثل هذا النوع من القصائد والاحتفالات وللكربلائي صوت عذب شجي يثير العاطفة مع كلمات الحزن والوجدان والشجون التي اشتهر بها شعراء العراق .

بعيداً عن القصيدة وموضوعها ومظلومية الزهراء ومظلومية آل البيت في مختلف العصور والخلاف الطائفي المذهبي حول صحة الأحداث من الجانب التارخي والعقائدي فإن انتشار القصيدة ومقاطعها مريب في هذا التوقيت فهي ليست وليدة اللحظة لأن العراق حالياً على صفيح ساخن بل كان على شفا تصادم بين القوى السياسية الكبرى التيار الصدري والإطار التنسيقي وكلاهما من البيت الشيعي وهي أول مرة يحدث هذا التصادم الداخلي ،فالمعتاد أن يكون الصدام بين المكونات الشيعية والسنية والكردية بعضهم البعض منذ حكومة البعث في زمن الرئيس السابق صدام حسين وحتى الاحتلال ومرحلة حزب الدعوة وما انبثق منه ثم عصابات داعش الإجرامية وظهور الحشد الشعبي . وللموساد وأجهزة الاستخبارات الغربية والعربية أدواراً واضحة خفية ومعلنة في العراق ، هذه الأيام لها جلالها وتقديرها عند الطائفة الشيعية حيث العاشر من محرم ذكرى استشهاد الامام الحسين ثم الأربعينية التي تحل ذكراها بعد أيام قليلة وسط تجاذبات واستقطاب وتلاسن وبيانات بين قوى محسوبة على إيران واخرى ترغب في فض هذا التعاون والتحالف مع إيران حتى خشى كثير من المتابعين أن زوار الأربعين واكثرهم من إيران وعددهم اكثر من ثلاثة ملايين وأكثر ستحدث لهم مشاكل ومضايقات ، ولكن هذا لم يحدث بفضل الله ،فتحول الراي العام حالياً إلى الحديث عن القصيدة ليس بسبب ما فيها من تجاوز فحسب بل لمنزلة الكربلائي وشهرته فهو ملك الإنشاد الديني في العراق بلا منازع وله متابعون ومحبون في دول عربية كثيرة ليسوا جميهم من الطائفة الشيعية فله جمهور من أهل السنة والجماعة أيضا ،ولهذا غير مستبعد أن يكون انتشار القصيدة في هذا التوقيت بشكل مخطط ومفتعل إما لصرف الأنظار عن مشاكل داخلية او لتوحيد الصف الشيعي المنقسم بشكل مؤقت ضد السنة ،أو أن هناك قوى خارجية لها أيد تخريبية لا تريد الخير والاستقرار للعراق بشكل خاص والمسلمين بشكل عام.

ما ورد في القصيدة فتح جدالا قديما جديداً حول مسألة الخلافة والإمامة وبالطبع التراث الإسلامي مشحون بالروايات السياسية التي تخدم أطراف دون اخرى وممتليء بالتحريف والتحريض والوضع وبالأخص التراث الشيعي بحكم الأقلية العددية وبالتالي التفوذ السياسي والإعلامي والاجتماعي عبر تاريخنا الإسلامي ، وبالتالي من غير المستغرب ان تجد في تراث تلك الصخرة الشيعية وسط البحيرة السنية الواسعة غريب الروايات المصحوبة بأجواء الاضطهاد والاعتقال والمطاردة من السلطات السنية المتعاقبة .بشكل عام عند تحقيق هذه الاحداث نجد أنها روايات ضعيفة واهية أمام التحقيق العلمي المجرد وأبرزها ما جاء في كتاب سليم بن قيس الهلالي وهو كتاب موصوم بالكذب والوضع والتخليط وعدم تحقيق كثير من الروايات وهذا رأي علماء المسلمين ومحققيهم الشيعة قبل السنة مثل الشيخ المفيد شيخ الطائفة ، واعترض على تلك الروايات كثير من علماء الشيعة المعاصرين ومواقفهم مكتوبة ومسجلة في كتبهم وحلقاتهم الدراسية ودروسهم التلفزيونية بداية من العلامة محمد حسين فضل الله وموقفه من كسر ضلع الزهراء يعلمه الجميع وقد تعرض لانتقادات حادة من المتشددين لقوله كلمة الحق ، والشيخ الدكتور أحمد الوائلي عميد المنبر الحسيني الذي كان يرفض إهانة الصحابة والخلفاء ، والسيد محمد حسين آل كاشف الغطاء الذي رد هذه الرواية الخاصة بكسر ضلع الزهراء رداً كاملاً وأنها مكذوبة وموضوعة ،بل زاد على ذلك السيد أحمد القبانجي وإن عرف عنه بعض الشطحات في الآراء أن الحادثة مأخوذة من الأسطورة الفارسية الخاصة بالأميرة روكسانا .الضعف والوضع ليس فقط في الموروث الشيعي بل طال الموروث السني بالقطع وبرغم ذلك لم ترد اي روايات صحيحة عن حرق الدار او كسر الضلع او تسقيط الجنين في كتب السنة ،وإن كانت كتب الصحاح لم تخل من روايات عن مظلومية الزهراء عليها السلام وآل البيت من بعدها ولكنها انحصرت في أرض فدك كما ذكر البخاري رحمه الله أن أبي بكر الصديق رضى الله عنه قال لها نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة فماتت وأوصت ألا يصلي عليها ابو بكر وقد حزن رضى الله عنه طوال حياته لذلك وتاب واستغفر كثيراً.وأما ما لحق بالإمام علي من تنحية عن الحكم ففيه خلاف من الجهة السياسية وفيه اقوال وردود وقد صبر الإمام حتى تولى الخلافة وتشهد بذلك الخطبة الشقشقية في نهج البلاغة إن صحت نسبته إليه ولم يسب ولم يلعن بل قال فلقد تقمصها مني فلان وهي مني محل القطب من الرحى وصبر على ذلك بل وكان مستشاراً مقرباً من الخلفاء الثلاثة بالاخص الشيخان ومما يؤكد على هذا المعنى أن نهج البلاغة ليس فيه سب ولا لعن ولا طعن وليس فيه شيء من حرق الدار وكسر الضلع وهذه الأساطير ،إنما اقتصر على خلاف أرض فدك وخمس خيبر كما ورد في صحيح البخاري كما أسلفنا.


إجمالاً صدرت فتاوى من أكبر المرجعيات الشيعية بتحريم سب الصحابة ولعنهم والانتقاص من رموز السنة وهي معروفة ومنشورة للسيد السيستاني والسيد الخامنئي والشيخ ياسر عودة وحتى الرموز السياسية مثل السيد حسن نصر الله والسيد مقتدى الصدر يترضون عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأخص الشيخين والمبشرين بالجنة، وحتى قبل ذلك سئل السيد الخوئي قدس سره عن حادثة كسر الضلع فقال ان ذلك  مشهور ومعروف ولم يقطع بصحتها والمتعارف عليه في أوساط العلماء أن المشهور في أغلبه ليس صحيحاً ، ويظهر هذا في معرض حديثه عن نصب ابي بكر وعمر العداء لآل البيت قال انهما ليسا نواصب وهو ما انتهى إليه السيد الخميني ، وأكد السيد الخامنئي أن كتب الرجال أو ما يعرف بالجرح والتعديل قد طالها التحريف والتصحيف مثل كتب السنة وبالتالي موثوقية الروايات والأحاديث لابد أن نرجع فيها لكتب الصحاح .


بصرف النظر عن كل ما تقدم من اعتبارات فإنه يستحيل عقلاً أن الإمام علي وهو اشجع العرب وفارسهم وفاتح خيبر أن يترك جماعة من الناس يدخلون بيته ويضربون امرأته ويكسرون ضلعها ويسقطون جنينها مع مراعاة العادات والتقاليد العربية من الغيرة والشهامة ، وتظهر الروايات عند الفريقين احترام وتبجيل كبير من الصحابة لعلي وفاطمة كما في نهج البلاغة، فكيف والإمام في البيت واولاده وبعض أقاربهم ومواليهم ومنذ متى والزوجة تفتح الباب مع اعتبار الرويات عند الشيعة في الولاية التكوينية بأن للمعصوم تصرف إلهي في الكون حتى ولو بالدعاء وأكثر من ذلك ان السيدة الزهراء تأتي يوم القيامة فينادي مناد أيها الناس غضوا أبصاركم انها فاطمة بنت محمد فكيف بذلك في الدنيا، والأعجب من ذلك أن بعد وفاة الزهراء كان الإمام علي  يحادثهم ومقرباً منهم فيا للعجب مما يكتب هؤلاء القوم ويريدون مننا تصديق رواياتهم ، حتى الشعراء القدماء الشيعة الاقحاح الذين دافعوا عن آل البيت واشهرهم الكميت بن زيد الأسدي شاعر الهاشميين قال :

أهوى علياً أمير المؤمنين

ولا أرضى بشتم أبي بكر ولا عمرا

وتائية دعبل الخزاعي الشهيرة فيها رثاء لآل البيت وهجاء لبني أمية وليس فيها تعرض للخلفاء والصحابة وعلى هذا النهج سار صفي الدين الحلي والشريف الرضي وغيرهم فأين عبد الخالق المحنه من ذلك وهو يصف الصحابة بالعصابة.


بكل صراحة نعتب شديد العتب على الحاج باسم الكربلائي لأنه يجب عليه كخادم حسيني وكرجل يستمع إلى قصائده المسلمون من كل الطوائف أن يدقق في الاختيار ولا ينجرف وراء الضعيف والساقط والواهي من الروايات فضلاً عن مخالفة أمر المرجعية وننتظر اعتذاراً شديداً كجمهور ومتابعين ومحبين نريد كل الخير للعراق