مقتطفات من كتاب تفسير جزء عمَّ لابن عثيمين

هذه فوائد لطيفة، مُنتقاة ومختصرة من الكتاب..

١- إنَّ الفاتحة هي أول سورة نزلت كاملة، وسميت بالفاتحة لأنّ القرآن افتتح بها، وهي أمّ القرآن

وهنا أورد مسألة "هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟" وفي هذا خِلاف.

القولُ الأول: بأنّها آية في الفاتحة ويقرأ بها في الصلاة الجهرية ولا تصح الصلاة دونها

والقولُ الثاني : أنَّها -أي البسملة- ليست من الفاتحة ولكنها آية مستقلة من كتاب الله.

وهو القول الصحيح والراجح بدليل قول الله تعالى في الحديث القدسي

: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله تعالى : حمدني عبدي ، وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى : أثنى علي عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدين ، قال : مجدني عبدي ، وقال مرة : فوض إلي عبدي ، فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل )

ففي هذا دليل أنها ليست من السور، وليست من الفاتحة فحسب، بل إنها آية مستقلة تنزل قبل كل سورة للفصل بينها وبين ما قبلها إلا سورة براءة وهذا قول ابن عثيمين لكن يبقى في المسألة بعض الخلاف بين العلماء والقراء.

*

٢- إنّ أعلمَ الملائكة جبريل..

فهوَ الموكل بالوحي كما وُكلَ إسرافيل بالنفخ في الصور ووُكل ميكائيل بالزرع والأرض والمطر.

وصفهُ الله بالقوة {ذي قوة عند ذي العرش مكين}

ومكين هيَ صفة أخرى لجبريل أنّه ذو مكانة وشرف.

{ مطاعٌ ثم أمين} مطاعٌ هو والذين يطيعونه هم الملائكة لأنه ينزل بالأمر من الله إلى الملائكة فيطيعونه، ثم الرسل عليهم السلام يطيعونه بما ينزل به إليهم من الوحي.

وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلقه الله تعالى عليها مرتان، له ستمائة جناح قد سد الأفق كله.

ولفظ الرسول في القرآن قد يُقصد به جبريل وقد يقصد به والنبي صلى الله عليه وسلم، حسب سياق الآية

ففي سورة التكوير {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرشِ مكين} الرسول هنا هو جبريل بدليل قوله { عند ذي العرش} وذي العرش هو الله جلا جلاله وجبريل هو الذي عنده، والنبي صلى الله عليه وسلم عند الناس في الأرض.

وفي قوله { إنه لقول رسولٍ كريم وما هو بقولِ شاعر} المقصود هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذين ادعوا أنه شاعر.

أعلمُ الملائكة جبريل وأعلمُ البشر محمد صلى الله عليه وسلم

*

٣- الفرقُ بين العالمين في قوله {وما هوَ إلا ذكرٌ للعالمين} وبين قوله {ربّ العالمين}

فالأولى هم كل البشر الذين أرسل لهم النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل إليهم

والثانية، إشارة إلى كل من سوى الله، وهي إشارة إلى عموم ربوبية الله وفيه قال شيخُ الإسلام محمد بن عبدالوهاب « وكل ما سوى الله فهو عالم وأنا واحدٌ من ذلك العالم..»

*

٤- القاعدة في علم التفسير تنص على أنّ «إذا كانَ النص يحتمل معنيين لا يُنافي أحدهما الآخر فإنه يُحمل عليهما»

مثالُ ذلك قوله تعالى {كلا بل تكذبون بالدين} احتملت كلمة الدين هنا معنيين، الدين أي الجزاء وقد تكون الدين نفسه أي تكذبون بالدين الذي جاءت به الرسل والآية شامِلة للمعنيين.

ومثاله من سورة البروج { إنَّ الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذابُ جهنم ولهم عذاب الحريق}

احتملت الفتنة لفظ الصد عن الدين ولفظ الإحراق كما في قوله {يوم هم على النّار يفتنون ذوقوا فتنتكم} فتكون فتنوا أي أحرقوا، وتكون فتنوا أي صدوا عن دين الله وسبيله، فتحمل على المعنيين.

*

٥- في الآية العاشرة من سورة الطارق

{ فما لهُ من قُوةٍ ولا ناصِر}

القوة هي القوة الذاتية لدى الإنسان

والناصر هي القوة الخارجية

فيكون الحمع بينهما أنه لا قوة ذاتية لديه فينقذ نفسه، ولا قوة خارجية من الناس تنصره

وفي الآية التي بعدها يقول جل جلاله {والسماء ذات الرجع} والرجع قيل أنه المطر وسمي بذلك لأنه يرجع ويتكرر.

*

٦- في قوله تعالى {وكذلك أوحينا إليكَ روحًا من أمرنا} والمقصود بالروح القرآن وسميَ بذلك لأنه تُحيى به القلوب

*

٧- قوله تعالى في الآية السادسة من سورة الإنفطار

{يا أيها الإنسان ما غرَّكَ بربكَ الكَريم}

يسألُ الله تعالى الإنسان وقيل أنّه الإنسان الكافر، وقيل هو كل إنسان خلقه.

وجوابُ السؤالِ موجودٌ فيه { مَا غَرك برَبكَ الكريم} لأنه الكريم، غرَّه كرم الله وإمهاله وحلمه

*

٨- من الآية الرابعة والعشرون في سورة التكوير يقول الله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم { وما هوَ على الغيبِ بضنين}

الغيب: القرآن، لم يضنّ به على أحد من الناس أدّاه وبلَّغه، بعث الله به الروح الأمين جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأدّى جبريل ما استودعه الله إلى محمد، وأدّى محمد ما استودعه الله وجبريل إلى العباد، ليس أحد منهم ضَنَّ، ولا كَتَم، ولا تَخَرَّص .

وما الرسول صلى الله عليه وسلم بباخٍل في تعليم شيء أو إيصاله بل باذلٌ في سبيلهِ كل البذل فهو الذي ضحى في سبيل تبليغه، ما رأى يومًا منكرًا إلا وأنكره وزجرهم ونهاهم وأمر بالمعروف وصلى بالناس وحشد الجيوش وقاتل على رأسهم، شج رأسه وكسرت رباعيته وربط الحجر على بطنه هو وأصحابه جوعًا، في سبيل نشره، لم يبخل لا والله ولم يضنّ.

*

٩- إن كانت الرحمة صفة كان الاسم " الرحمن" وإن كانت الرحمة فعل كانَ الاسم "الرحيم"

*

١٠- الذي لا يعرفُ المعنى بمنزلةِ الذي لا يقرأ

*

١١- ليس للخوف والخشية المعنى ذاته كما يظن البعض، بل إن الخشية تكونُ عن علم، الذي يخشى يكون متبصرًا لما خشيَ، أما الخوف مجرد إحساس دون علم، فالذي يخافُ قد لا يعلم ممَّ.. ومن خاف مما لا يعلم سمي شعوره خوفًا لا خشية.

*

١٢- لا أقسم هو قسم إثبات لا قسم نفي كما قد يظنّ البعض، ولا هنا تجيء للتنبيه لا للنفي، ولو حذفت - من غير آيات القرآن - لاستقام من دونها الكلام.

ونظائرها مثل { لا أقسم بهذا البلد} أي : أُقسم

{ لا أقسم بيوم القيامة} {لا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون}