للّه في اخفائه سرائر النّاسِ عن بعضهم البعض حكمةٌ بالغة، إذ لو اطلع كل امرئٍ على ما في قلبِ أخيه أو بانَ أمامه جليًا في كل حين، لما طاب خاطرُ أحدٍ تجاه الآخر أبدا.

فإن خواطر الناس وأفكارهم عن بعضهم تتبدل، يومٌ حسنة ويومٌ شيّنة

وكم ممن يسيء الظنّ ثم ما يلبث أن يكتشف سوء ظنه فيتراجع عنه بل ويستبدله بظنٍّ حسن، ولو كشفه ذاك الذي ظنّ عنه لفضح، وكم من نزوة كرهٍ عابرة تمر على قلب الإنسان تجاه من هو أمامه، لأن ابن آدم خطاء في مشاعره، ولو رآها النّاس لعابوه، ولو ظلت أمامهم ماكثة لما أحبوه، ولما صُوحِب يومًا

من أشكال ستر الله على العبد أن أخفى ما في نفسه عن العالمين، فلا أحد يعلم ما يدور في ذهنك من ذكريات وأفكار، ولا أحد يطلع على مكنون قلبك ومشاعره وما يطرأ عليه، ولا يحاسب المرء إلا على ما يظهر ويبدي وما يفعل ويقول.

ففي داخِلك، أنت تعلم حقيقة نفسك، وتراها وحدك كما هيَ دون أي لمسات خارجية.

تخيّل لو أنّ فكرةً تدور في رأسك فيسمعها الذي بجانبك، مجرد التخيل يبعثُ فيكَ شعورًا متوترًا.

أو أن خيالاً مرّ على خاطِرك، فلاحَ أمام الذين من حولك.

من صور الغيّب، مكنونك هذا.. لا يعلمُ أحدٌ فيه إلاك وربك.

ولو رأى كُل شخصٍ ما يدور في أذهانِ الناس عنه، مظهره هيأته لباسه صوته أقواله وأفعاله، لانهار معظمنا، لزعزعت ثقة الإنسان بنفسه.

كم من انتقادٍ عابر رميته على أحدهم دون أن يراه.. كم فكرة دفنتها فور ظهورها.. كم شعورٍ ضعيفٍ كان يملؤك، كم خوفٍ من أشياء غبية، كم انهيارات وكم وكم وكم