إنَّ النّدم قريبٌ دائمًا، قريبٌ من أيّ أحد.

ينامُ بجانب قلب المرء حتى إذا أحس بدنو موعده صحا وتعربش على الفؤاد، وبدأ انسيابه البطيء فيه، بترددٍ أولاً

ثم ما يلبث أن يُعشش فيه كأنّهُ مالكه ولهُ أحقيَّتُه

يأكل من وجدانِ ابن آدم وهو بهذا يأكل عمرهُ أيضًا، يأكل اللحظات السارّة والعادية، ويُمدد لحظات الحزنِ مدًا حتى لتمرّ عليهِ كأنّها السنون.

يهاجم الإنسان على حينِ غفلة، فبعد كل صحوة من النّدم يحدث نفسه ألا ندم بعد اليوم، ولكن هيهات، يجيئك وأنت كما الغائب عن الوعي، ورويدًا رويدًا يبني عشه بداخلك

يضل يجوس في حلقك كغصنٍ شائِك. يمر أوانٌ قبل أن تتخلص منه ولا تعرف متى قد يُعاودك. 

ما إن تغلق عينيك ليلاً وتنام الأصوات فيك حتى يظهر لكَ على هيئة ذكرى. يأتيكَ كصيحةٍ تخدش سكونَ الليل وسكون فؤادك. 

وما إن تستيقظ نهارًا حتى يجعل كل كلمة تقولها كلسعة، وتضع كل أمرٍ تقوم به تحت مجهر التفكير الزائد.

ولأنك تضيق به ذرعًا إذ يأتيك، تخطط مليًا لكل شيء سلفًا، تراجع كلماتك وحركاتك وسكناتك

يخلق فيكَ شيئًا ما من التردد، إنّه والنّدم مترادفان وإن أنكرت ذلك اللغة

ولكل هذا فهوَ يجعل الإنسان المُفرط في النّدم كومة من المخاوِف، متناسيًا أنَّ هذه الحياةَ تجارب، تعيشها على أملِ التعلم مما فشلت وأخطأت، كُل نجاح هو درسُ فشلٍ سابق.. لكن الإنسان المفرط في ندمه لا يملك نفسه أمامه، إنّه يندم حتى على ندمه، تراه نادمًا لأنّه كان يندم كثيرًا من قبل! يحمل فيه شعورًا بالذنبِ لم يحمله قاتِل، يتأسف على كل ما مضى، ويأكله حسٌّ بأنّهُ دومًا المُخطئ

إنّ الندمَ فجوة يتعثر بها المرء كلما مرّ بحذائها.