مقدرٌ لك أن تكون أنت، أن تسكن هذا الجسد وتحمل هذه الروح

هذا الإنسان -الذي هو أنت- نصيبُك، أُعطيته لتُنظر أيّ نفسٍ ستبنيها، أيُّ عالمٍ ستَخلق بداخِلها، وأيّ طريقٍ ستسلكُ بها وتُسيِّرُها. 

في المقابل.. ماذا لو لم تكن أنت أنت؟ ماذا لو فقدت هذا الوجه الصغير وهذه الملامح المحببة، عيناكَ الناعسة، صوتك الرنان، هذه الشخصية البسيطة، هذا الأسلوب العفوي، وهذه القوة، وكل تلك المواهب، كلماتك الفصيحة، أفعالك الذكية، حركات جوارحك الهادئة، حياؤك، إنسانيتك، مشاعِرُك المُرهفة.

وذلك القلبُ الكبير الذي تحمله، يا لك من شخص! كيف تمنيت يومًا ألا تكون أنت، كيف تشجعت أن تذم هذه النفس، ويحك ويحك لما أنقصت قدرها.. لله درها من مثلها، رُوحك؟           ما خفقَ فؤادٌ في جانبيّ أحدٍ كما خفق في جوانبك، ما اشتعلت فكرة في ذهن أحدٍ كما اشتعلت الأفكارُ في رأسك، لقد ضُخت في صدغيك ضخ الدم، ما نُزِفَ شعورٌ من قبل لفرطِ تضخمه إلا لديك. 

أنت لا ترى ذلك اللمعان في عينيك، لا ترى ملامحك الهادئة بينما أنت شارد، وكأن الحياة تتوقفُ لحظة واحدة لتتأملك، عيناك.. ضاحكة كانت أم ناعسة، بحة صوتك، هدوئك حينًا وحماسُك حينًا آخر، لا تفقه من هذا شيئاً ولا ترى، لا تعرفُ سوى اضطراباتك، ذكراك المؤرقة، لا ترى سوى شحوب وجهك، لا تسمعُ سوى تعلثماتك، لا تفتش سوى عن أخطائك، ولهذا دائماً ما تشتم نفسك حين تغلق عينيك بقوة، لهذا تظنُ أنه لا يمكن لأحد أن يُحبك كما تريد، كما يمكنك أن تحب أنت.. دون أن تدري أنّه قد يكون هنالك من هو غارقٌ في تفاصيلك حتى العُمق. 

أنت سيّدُ نفسِك، فاستعمل هذه السيادة بما يليق، طوبى لمن لم يَسُد جورًا ولؤمًا، احِنُ عليها كما تحنو على غيرك..

أعطاك الله ما لديك لينظر كيف ستتصرف به، بمَ ستستعمله، فارضَ بما أعطاك واحزن لما فسد منه، لكن حَسِّنهُ بعد ذلك، هذبه، قوّم خطأك وأصلح ما تكره.

فإن ما يكره الإنسانُ في نفسه شيئان، ما يمكنه تغييره كصفاته، طريقته، وما ساء منه من كلامٍ أو تصرف، وهذا بالطبع يُهَذب ويُشَذب إن جاهد نفسه

وما لا يمكنه تغييره، كملامحه، محياه، ما خلقه وجبله الله عليه، فإن كانَ حلُّ الأول التشذيب والتهذيب، فإن حل هذا هو الرضا به والحمد والتسليم، وتَقبُل ما هو عليه.

واجعل عمرك رحلة سعيّ لبلوغ تلك الذات التي أردت أن تكونها دومًا.