يقول جل شأنهُ :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوةِ المَتِيْن 

" إلا ليعبدون" هذه الحقيقة الخالصة لعلة خلقِ الإنسان والتي لا تغيبُ عن علمِ مسلم صغيرًا كان أو كبيرًا.. عاميًا أو فقيهًا

فَـ لله الحمد أن لم يجعلنا ممن يتخبطون بين جنباتهم حيارى " لماذا خلقوا؟" وهم اللا أدرية أي الذين لا يدرون بشيء ولا أجد لهم وصفًا أبلغ مما قاله إيليا أبو ماضي:

"جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت.. ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت.. وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أَم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود.. هل أنا حر طليق أم أسير في قيود.. هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمنى أنني أدري ولكن.. لست أدري! "

ثمَّ يعودُ لحالة اللا دراية فيقول:

" أتراني قبلما أصبحت إنسانا سويًا

أتراني كنت محوًا أم تراني كنت شيئا؟ "

وقد عُفيَ المسلم من هذا الضياع والتشتت الفكري فيعلم كيف خلق ومم ومن أين جاء ولماذا وما مصيره بعد ذلك، فيشمر عن ساعديه ليبدأ عمله. 

وغياب العلم في هذا الأمر ينقسم لشطرين، الشطرُ الأول هم الملاحدة ومن على شاكلتهم من الكفار إذ يغيبُ عنهم هذا العلم غيابًا كُلي.. والشطرُ الثاني هم طائفة المسلمين الذين غابت عنهم في مشاغل الحياة علة خلقهم غيابًا جزئيًا فيسهون ويغفلون ويغرقون في الدنيا عنِ الآخرة التي هيَ دارهم، فلم يكونوا بحاجة لمن يعلمهم كما الشطرُ الأول، بل لمن ينبههم وهو ما نسعى إليه. 

ولا أفضلُ من نفسِ الإنسانِ أن تنبهه إذا غَفِل.

" ما لهذا خُلقنا.. " 

ذكر نفسكَ بها كُلما خضت بأعمال الدنيا الدنيئة.. مضيعتك لوقتك وأعمالك التي تضر ولا تنفع، وحتى التي لا تنفعُ ولا تضر، إن لم تتضمن أشغالك على جزء كبير من العبادات حدِّث نفسك وأنِّبها " يا أيتها النَّفسُ استقيمي ما لهذا خُلقتِ!"

فإنّ المسلم السويّ يعلم أنّهُ ما خُلقَ إلا للعبادة، وما هذه الدنيا بمستقرٍ لنا ولا منزِلٍ فيتطلع إلى الجنّة العالية في الدار الآخِرة بالعلم والعمل الصالح

{ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}

أُسائلكم ونفسِي " أرضينا بالحياة الدّنيا؟" كلما انتبهنا إلى أنفسنا نغرق في وَحلِ الدّنيا " أرضيتُم بها دُون الآخِرة؟ "

فما متاعها أمام متاعِ الآخرة إلا قليلٌ قليل.. فما عُمر الإنسان القصير الدنيوي أمام عمره الآخروي الذي لا فناءَ له بل وما لذة الدنيا أمام لذةِ الآخِرة، فاوزِن بينهما واختر وآثِر إن كانت سلامة عقلك باقية.

فلا تَرضوا بالحياة الدنيا.. ولا تتثاقلوا إلى الأرض كما في قوله عزَّ وجل { اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} أي تكاسلتم، وملتم إلى الأرض وإلى الدِّعة والسكُون فِيها‏.

فلا تركن إلى الدّنيا رحمكَ الله.. ولا يُغرنك حظك منها فإنك إن سعيت له أخذته وحرمت حظك من الآخرة، وإن سعيت إلى حظك من الآخِرة كسِبتَ حظ كليهما

" بَلْ تُؤثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" 

وهذا طبعُ الإنسانِ الذي عليهِ أن يغالبه فإن مال إلى كفةِ الدّنيا تارةً، وَجب في حقّ نفسه الجهاد حتى يميل إلى كفة الآخِرة كل الميل تارةً أخرى، فيغالبُ هواهُ ونفسه، فما اتبع امرؤٌ شهواته وترك روحهُ لها إلا ونزل إلى منزلة البهيمة -أكرم الله القارِئ-

قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في القول المفيد :ونحن نحذر إخواننا المسلمين مما هم عليه الآن من الانكباب العظيم على الدنيا حتى غفلوا عما خُلِقُوا له واشتغلوا بما خُلِقَ لهم !

فعامة الناس الآن تجدهم مشتغلين بالدنيا، ليس في أفكارهم إلا الدنيا قائمين وقاعدين ونائمين ومستيقظين.

وكان من سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم قول "اللهم إنَّ العيشَ عيش الآخِرة" حالَ الإعجاب بحُطامِ الدّنيا.. من ملبسٍ أو مأكلٍ أو خيرٍ وعيشةٍ هنيّة

وفيهِ حثٌ على أن يذكر الإنسان نفسه بنفسه كلما غفل، وأن يمسكها كلما تفلتت، وأن ينتشلها إذ راحت تهوي.

وأن يذكر من حوله، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إذ كانوا يحفرون الخندق ويجهزون للغزوة في غداةٍ باردة، أكلت أجسادهم وكلت أيديهم فمر بهم يقول "لبيك! إنَّ العيشَ عيشُ الآخِرة." ففي هذا بيان أن التأسي بالآخرة يكون حالَ التعبِ أيضًا والقهر والظلم والكمدِ والنصب، فلولا تذكر الإنسان لدار الخلدِ لمات من فرطِ ما يلاقي دون مواساة.

فلما ذكر الله أنبياءهُ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أردف مع آيةِ ذكرهم صفة تميزهم ﴿إِنّا أَخلَصناهُم بِخالِصَةٍ ذِكرَى الدّارِ﴾

قال قتادة: كانوا يُذَكِّرون الناس الدار الآخرة والعمل لها..نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الاَخرة

وهذا في فضلِ تذكير النَّاسِ بآخِرتهم ومن السنة حديثهُ صلَّ الله عليه وسلم

قيل لأبي القاسم ﷺ: أي جلسائنا خير؟ قال: "من ذكركم بالله رؤيته، وزادكم في علمكم منطِقُه، وذكَّركم بالآخرة عِلمُه ".

فاحرِص أولاً على نفسك ألا تغرق في أوحال الدنيا وتتشبث بأوصالها سائل نفسك بين حينٍ وحين مُعاتبًا مستنكرًا " أرضيتُ بالحياة الدنيا من الآخرة؟ أتثاقلتُ إلى الأرض؟ أتراني آثرتُ الدنيا؟" 

ثُمَّ احرص على من حولك فكُن مذكرًا وإن لم تذكر بلسانك فدع لكَ علمًا وعملاً تذكرهم حالَ رؤيتك.

رويَ في صحيحِ مُسلم أنَّهُ صلواتُ اللهِ وسلامه عليه قالإن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها.." 

أي من غناها ورزقها وأموالها والخوض فيها وحبّها وحبّ ما فيها من نساء وولدان وطعامٍ وراحة.. وفي هذا قال جلَّ شأنه { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } 

لا تَمدنَّ عينيك يا رعاكَ الله، ولا تطمع بالدنيا وزهرتها فما هيَ إلا فتنة، ورزقُ اللهِ الذي وعدكَ به في الآخِرة خيرٌ بألف مرة منه، وأدوم وأبقى لا انقطاع لهُ ولا نفاد. 

وفي حديثٍ لمسلم أيضًا " إن الدنيا حُلْوة خَضِرةٌ، وإن الله تعالى مستخلفُكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء.." 

على العاقل أن ينظر لوصفِ نبينا صلى الله عليه وسلم لها.. " حُلوة، خضرة" أي فتنة! والإنسان مستخلفٌ في هذهِ الأرض.. ينظر ربه إليه كيف يعمل الخليفة فيها؟