في ذكرى ميلاد الإمام محمد الغزالي نستحضر حواراً معه من خلال بعض أقواله ومقالاته وكتاباته ويجيب لنا الإمام في هذا الحوار عن أسئلة كثيرة تراودنا تستعصي على أغلب علماءِ عصرنا إجاباتِها.

نرحب بكم يا فضيلة الإمام أهلاً بكم

كلنا يا إمام نريد أن نتغير لكن لماذا تفتر عزيمتنا و تقل همتنا ؟

يا بنيّ : كثيراً ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة في حياته و لكنه يقرن هذه البداية المرغوبة بموعد مع الأقدار المجهولة كتحسن في حالته أو تحول في مكانته، و قد يقرنها بموسم معين أو مناسبة خاصة كعيد ميلاد أو غرة عام مثلاً، وهو في هذا التسويف يشعر بأن رافداً من روافد القوة المرموقة قد يجيء معى هذا الموعد فينشطه بعد خمول و يمنيه بعد إياس. أنصحك يا بنيّ لا تعلق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب فإن هذا الإرجاء لن يعود عليك بخير.

يا إمام نريد أن نسأل فضيلتك سؤالٌ آخر كثر الإلحاد في زماننا بين الشباب فهل يلحد الشباب عن علم أم ماذا؟

لقيت نفراً من الشباب الملحدين – وهم للأسف منتشرون في هذه الأيام انتشار الحَلفاء و الحشائش الضارة في أرض لا صاحب لها – و حاورت بعضهم أبغي استكشاف ما في نفسه فوجدت فكرتهم عن الله أشبه بفكرة اللقيط عن أبيه لا يعرفه ولاينصفه. ووجدت جمهرتهم تفكر بهذا الإله عن تقليد أعمى و غرور بليد فهم يحسبون أن العلم و الإيمان ضدان. وإن الارتقاء الثقافي يصحبه حتماً إقصاء الدين من الطريق. ثم هم يرون أنفسهم قد أصبحت لهم مكانة العلماء الذين فجروا الذرة فهم يصطنعون نظرتهم نفسها عن الحياة و خالقها كما تحكى لهم لا كما هي على حقيقتها.

إذاً ما الحل يا إمام؟

قال فرنسيس بيكون " إن قليلاً من الفلسفة يجنح بالعقل إلى الإلحاد ولكن التعمق في الفلسفة خليق أن يعود بالمرء من الدين"

و قال ديل كارنيجي "إني لأذكر الأيام التي لم يكن للناس حديث فيها سوى التنافر بين العلم والدين ولكن هذا الجدال انتهى إلى غير رجعة"

وأراني مضطراً إلى تقرير حقيقة قد تغرب عن بال كثيرين هي أن هناك فارقاً بين الإيمان بالله كما وقر في نفوس لفيف ضخم من المفكرين و العظماء وبين الانتساب إلى دينٍ من الأديان المعروفة. فإن العلم المجرد هدى ألوف العلماء إلى الله ووقفهم أما قدرته الرائعة مبهورين. وكذلك فعل التفكير السليم عند كثير من الساسة والقادة.

لماذا يا إمام ذات مرة قابلت فتاة متبرجة ؟

يا بنيّ : الطبيب يستقبل المرضى قبل الأصحاء ذلك عمله.

طبعاً يا إمام نصحتها بالحجاب!

يا بنيّ الأمر أكبر من ذلك هناك المهاد الذي لابد منه ، هناك الإيمان بالله واليوم الآخر والسمع والطاعة لما تنزل به الوحي في الكتاب والسنة والأركان التي لا يوجد الإسلام إلا بها في مجالات العبادات والأخلاق.

يا إمام ذلك كله لا يمنع أمرها بالحجاب!

يا بنيّ ما يسرني أن تجيء في لباس راهبة و فؤادها خالٍ من الله الواحد وحياتها لا تعرف الركوع والسجود إنني علمتها الأسس التي تجعلها من تلقاء نفسها تؤثر الاحتشام على التبرج.

فقاطعته قائلاً يا إمام.

يا بنيّ أنا لا أحسن جر الإسلام من ذيله كما تفعلون إنني أشد القواعد وأبدأ البناء بعدئذٍ و أبلغ ما أريد بالحكمة.

يا إمام ما رأي فضيلتكم في الرأي الذي يقول " رحم الله عصراً كانت المرأة لا تخرج أبداً إلا ثلاث مرات من بطن أمها إلى الدنيا و من دار أبيها إلى الزوج و من زوجها إلى القبر"

من قال هذا وقع تحت ضغط الفساد الذي وفدت به الحضارة الحديثة فقال ما قال و كان غير موفقٍ فإن الانحراف لا يداوى بالانحراف. إن للمرأة أن تخرج للصلوات الجامعة خمس مرات في اليوم و لها أن تخرج مع الجيش إذا كانت لديها مهارة عسكرية أو طبية أو هندسية و العصر الذي نترحم عليه أو نقتبس منه هو عصر النبوة فهو خير القرون يقيناً أما عصور الانحراف و الجهالة فلا يقاس عليها و لا يتأسى به.

يا إمام ما أهم ما نحتاجه اليوم؟

إن أنفسنا وبلادنا وحياتنا وآخرتنا في ظمأٍ هائل إلى مزيد من المعرفة و الضياء.

يا إمام في نهاية هذا الحوار نريد من فضيلتكم حلاً لمشاكل الأمة.

الأمة الإسلامية ليس لها صديق إلا الله و لا نصير إلا الله. لذلك يجب أن نصل ما انقطع من حبالنا معه ويجب أن نعود إليه ولذلك لا نملك إلا أن ندعوه و نختم لنقول : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين وصلى الله على محمد وآله.


ملاحظة : الكلام الوارد في هذا الحوار صحيح لكن صاغها الكاتب بأسلوبه الذي يتخيل فيه الإمام الغزالي مستعرضاً بعضاً من كلامه في كتبه و محاضراته.