👈مقال بعنوان: حقوق الجار وواجباته😍💚

🌹 كتبه فضيلة الشيخ الدكتور أحمد البصيلي الأزهري 🌹 هيا بنا نقرأ بعيون قلوبنا ❤

يظن بعض الناس – عزيزي القارئ – أن الجار هو فقط مَن جاورَه في السكن، ولا ريب أن هذه الصورة هي واحدة من أعظم صور الجوار، لكن لا شك أن هناك صورًا أخرى تدخل في مفهوم الجوار، فهناك الجار في العمل وفي المزرعة وفي السوق وفي المقاعد الدراسية بل وفي مقاعد المركبة أو الطائرة.. ولكل هؤلاء حقوق الجار وعليهم واجباته.

وعن عائشة رضي الله عنها: “حد الجوار أربعون دارًا من كل جانب”؛ كما ذهب الشافعية والحنابلة إلى ذلك، أربعون داراً من كل جانب، من الأمام والخلف واليمين والشمال، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: (حق الجار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا) وبعضهم ضَيَّقَ فقال: الجار هو الملاصق من جميع الجهات، أو المقابل له، بينهما شارع ضيق، فلا يفصل بينهما نهر متسع أو سوق كبير ونحو ذلك. وبعضهم عرفه بأنه: ما يجمعهما مسجد أو مسجدان متقاربان. وبعضهم قال: إن العرف هو الذي يضبط قضية الجوار، وحملوا حديث الأربعين على التكرمة والاحترام، ككف الأذى ودفع الضرر، والبِشْر في الوجه والإهداء، وغير ذلك.

ولاشك أن الملاصق أولى الناس بأن يطلق عليه اسم الجار، ويقال حتى للساكن معك في المدينة: جاوره فيها. ولما استُعظِم حق الجار عقلاً وشرعاً عُبِّر عن كل من يَعظُمُ حقُّه بالجار.

والحق أن الإسلام – أيها القارئ الكريم – قد عظَّم من شأن الجار، وظل جبريل عليه السلام يوصي النبي بالجار حتى ظنَّ أن الشرع سيأتي بتوريث الجار: “مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُورِّثه”. وقد أوصى القرآن بالإحسان إلى الجار: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا . (سورة النساء). وهذه الآية تبين لنا أنواع الجيران وألوان الجوار، وهي كما يلي: الجار القريب : وهو المسلم صاحب القربى، وهو الجار المسلم الذي تجمعك به علاقة قرابة. وله ثلاثة حقوق، فله حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام. ثم الجار الجُنُب؛ وهو البعيد المسلم الذي لا تجمعك به صلة قرابة، وهو جار له حقان، فله حق الإسلام وحق الجوار. وإذا كان لك جار كافر قريب لك فله حقان: حق الجوار والقرابة. أما الجار الكافر الذي لا تربطك به صلة قرابة فهذا له حق واحد وهو: حق الجوار فحسب.

لقد حض النبي على الإحسان إلى الجار وإكرامه: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره”. وعند مسلم: “فليحسن إلى جاره”. بل وصل الأمر إلى درجة جعل فيها الشرع محبة الخير للجيران من الإيمان، قال : “والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه”. والذي يحسن إلى جاره هو خير الناس عند الله: “خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ” من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله فأخذ بيدي فعد خمسًا، وقال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب “. فبين أن الإحسان إلى الجار دليل على صدق الإيمان، وشعبة من شعبه، وسبب من أسباب زيادته وقوته. وقد قال بعض الحكماء: ثلاث إذا كن في الرجل لم يُشَكّ في عقله وفضله: إذا حمده جاره وقرابته ورفيقه.

لقد ثبت عنه أنه قال: «ما تقولون في الزنا؟» قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، قال: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره، ما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرام، حرمها الله ورسوله، قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره، ومن أغلق بابه من جاره مخافة على أهله أو ماله فليس الجار بمؤمن». فلماذا كانت السرقة من الجار أشدَّ إثمًا من السرقة من عشرة بيوت؟ وما الذي ضاعف الجُرمَ في تلك الجريمة؟ إنها حُرمة الجار.

وقد روى أبو هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها، وصدقتها، وصيامها. وفي رواية تصوم النهار، وتقوم الليل، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال : «هي في النار»، وقال: إن فلانة تذكر من قلة صيامها، وصلاتها، وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها، قال: «هي في الجنة.”

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله! إن لي جارتين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا»، قال الحافظ ابن حجر : «والحكمة في ذلك أن الجار الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هديةٍ وغيرها، فيتشوف لها، بخلاف الأبعد، وكذلك فإن الأقرب أسرع إجابة لما قد يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة».

ومراتب حقوق الجار على ثلاثة مستويات: أدناها كف الأذى عنه، ثم احتمال الأذى منه، وأعلاها وأكملها: إكرامه والإحسان إليه.

المرتبة الأولى وهي كف الأذى عنه، فهي أقل ما يجب على الجار تجاه جاره، فإنه إذا لم يحسن إليه، فلا أقل من أن يكف أذاه عنه. والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ، فكيف إذا كان المتأذي منك هو جارك المؤمن، فإن الإثم أشد. ولهذا قال النبي : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره “.

المرتبة الثانية فهي احتمال الأذى منه، والتغاضي عنه، والتغافل عن زلته؛ فعن عثمان بن زائدة قال: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل. فحُدث بذلك أحمد بن حنبل، فقال: العافية عشرة أجزاء، كلها في التغافل، والمعنى: أن السلامة من أذى الناس، لا يكون إلا بالتغافل عن شرورهم، والتغاضي عن ظلمهم وغشمهم، وعدم مؤاخذتهم بكل ما يصدر منهم ومن وفق لذلك فهو العاقل الموفق، والسيد المسوَّد، وقد وصف الله المتقين بأنهم يكظمون الغيظ، ويعفون عن الناس، ويحسنون إليهم بالصفح عنهم، والتسامح معهم، فقال سبحانه: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .

المرتبة الثالثة فهي إكرام الجار والإحسان إليه والإحسان إلى الجار معنى واسع تدخل فيه أنواع كثيرة من المكارم والفضائل التي أمر بها الإسلام، فكل ما يجب للمسلم على المسلم من حقوق فإنه يجب على الجار لجاره المسلم من باب أولى وأحرى، لأن له حق الإسلام وحق الجوار أيضًا ومن ذلك محبته والتودد إليه، والسلام عليه، وطلاقة الوجه معه، وعيادته إذا مرض، وتشيعه إذا مات، ونصره إذا ظُلم، وكفه عن الظلم والمعصية بقدر الاستطاعة، ومواساته وبذل المعروف له، وتفريج كربته، وإعانته عند حاجته، وتعزيته عند المصيبة، وتهنئته في الفرح، وإدخال السرور عليه، والإهداء إليه، والنصيحة له ولأولاده وأهله، وتعليمه ما يجهله من أمر دينه ودنياه، وموعظته بالحسنى، وإعانته على طاعة الله تعالى، ودعوته إلى الإسلام وترغيبه فيه إن كان كافرًا، وألا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، وأن يستر عليه ما ينكشف له من عوراته.

وهذه الأنواع تختلف باختلاف الجيران والمناسبات وحالة كل جار، وما ينزل به من أحداث الزمان، كما يختلف باختلاف الشخص من فقر وغنى.. ومن هذه الأنواع ما هو فرض عين، ومنها ما هو فرض كفاية، ومنها ما يكون مستحبًا. والجامع لهذا كله: أن تحسن إليه بكل ما تقدر عليه من قول وفعل، وأن ترجو له الخير، وتحب له ما تحب لنفسك، وتقدم له ما استطعت من معروف أيًا كان نوعه.

إن تَحَمُّلَ أذى الجار واحدة من شيم الكرام ذوي المروءات والهمم العالية، إذ يستطيع كثيرٌ من الناس أن يكفّ أذاه عن الآخرين، لكن أن يتحمل أذاهم صابرًا محتسبًا فهذه درجة عالية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وقد ورد عن الحسن بن علي عليهما السلام قوله: «ليس حُسْنُ الجوار كفّ الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى». وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله : «إن الله عز وجل يحب ثلاثة، ويبغض ثلاثة»، وذكر في الثلاثة الذين يحبهم: «رجل كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت». واعلم أن هذا من باب الدفع بالتي هي أحسن، ذكروا عن الإمام أبي حنيفة أن رجلاً كان بجواره يسيء إليه كل يوم في بيته، فكان يخرج ويبعد الأذى أو الإساءة وهو صابرٌ، وفي يومٍ من الأيام خرج فلم يجد تلك الإساءةَ التي كان يعهدها، فسأل عن جاره عندما رآه تخلف عن عادته! فأُخبر أنه أحدث حدثًا وسُجن، فذهب وشفع عند صاحب الشرطة حتى أخرجه، ولم يعلم هذا الجارُ بالذي جاء يشفع له، فلما خرج قال: من الذي أخرجني؟ قالوا: جارك جاء يشفع لك، قال: من هو؟ قالوا: أبو حنيفة ! فندم على إيذائه، وكف عن ذلك.

كما أن تفقد أحوال الجار وقضاء حوائجه جهاد في بناء الإنسان وعمارة الأوطان، لدرجة أن رسول الله يقول: «ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم». وإن الصالحين كانوا يتفقدون جيرانهم ويسعون في قضاء حوائجهم، فقد كانت الهدية تأتي الرجل من أصحاب النبي فيبعث بها إلى جاره، ويبعث بها الجار إلى جار آخر، وهكذا تدور على أكثر من عشرة دور حتى ترجع إلى الأول، وإن من مجال الإحسان إلى الجار التودد إليه بالهدية والقول اللطيف، ولهذا أوصى رسول الله الصحابي الجليل أبا ذر فقال له: «يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك».