لعلك تسأل لماذا كل هذه الفوضى في حياتنا لا أقول في الأحداث العالمية أو حتى المحلية بل يومنا التي نعيشه أنا وأنت وغيرنا من الناس، فعلا ولو وقفنا مع أنفسنا وقفة جادة نجد أن حياتنا أصبحت عبارة عن برنامج ونحن مبرمجين على نظام معين وهى كذلك لكن في هذا العصر أصبح هناك فيروسات جعلت من هذا النظام يفسد.

خذ عندك لا مكان للبيت في حياتنا العصرية، المدرسة تتولى التربية والتعليم والمطاعم والمقاهي تتولى الأكل والشرب ومحلات الملابس تتولى كسوتنا والصالات الرياضية وملاعب الكرة تتولى التربية الرياضية وبيوت خاصة للتزيين تتولى تجميل المرأة وشاشات التلفزة والهواتف الذكية تتولى أدمغتنا وعقولنا، فلا مكان لمسجد إلا لصلاة الجمعة ولا مكان لبيت اللهم إلا للنوم بعدما كان يتولى كل هذه الأمور.

ثم نتساءل لماذا ينتشر الطلاق والإلحاد والشذوذ، وإذا أردت إجابة مفصلة فهى في ركن البيت فإذا كانت مؤسسة البيت على ما يرام فإن المجتمع على ما يرام وإذا كانت مؤسسة البيت على غير العادة من التربية والتعليم والاهتمام برعاية الأولاد وتربيتهم فإن المجتمع على فساد بيِّنٌ.

يقول تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ {٦} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) وهذا القول تراه عين الآن بيننا سواء على المستوى الفردي أو المستوى الجمعي، يظن الإنسان أنه ما دام قادر على أن تأمين احتياجاته من مأكل ومشرب وتعليم وكل هذا بدعوى بالعلم والقدرة والاستطاعة على فعل أي شيء آخر دون حسيب ولا رقيب، ثم بعد ذلك تجده يستغني شيئا فشيئا عن أساسيات حياته وهنا لا أقصد الأساسيات المادية بل الأساسيات النفسية لأنها في نظره احتياجات ثانوية وتأتي من قيمة الماديات.

ولهذا الانسلاخ من منظومة متكاملة مثل البيت سواء كان بقصد بإهمال التربية من جانب الأهل أو بغير قصد بإتباع خطوات شياطين الإنس والجن وهي بمثابة شهادة وفاة نفسية للفرد ومع الأيام تجد هذا الفرد إما منتحرا أو مريضاً نفسياً وهذا مشاهد في الفترة الأخيرة بكثرة للأسف الشديد، ولذلك أطلق أهل علم الاجتماع على هذا العصر "عصر الفردانية."

وهذا مشاهد فإنك عندما تقبض مرتبك فأنت تدفع قسط العربة وقسط المدراس وقسط للجمعيات المشتركة وقسط وقسط النوادي والصالات الرياضية وقسط لمحلات بيع الملابس وقسط لاشتراك الانترنت، وإذا بقى شيئا فهو للترفيه والتسلية، هذا الكلام يعني أن الأهل بشكل أو بآخر يساعدون في تدمير البنية الاجتماعية للبيت بحجة أن هذا هو النظام والناس كلها تفعل هذا.

نعم قد يكون هذا ولكن ألم تسمع قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) الله حدد الوقاية هنا بالنفس والأهل وهذا إلزام لأن البيت هو رأس حربة المجتمع وليس العكس لأنه البينة الأساسية فيه، دعك من الناس وألسنتهم وقد قيل (رضا الناس غاية لا تدرك ورضا الله غاية لا تترك) ولذلك في ظني أن الجمر الذي يقبض عليه المسلم في هذا العصر بعد الإسلام هو نفسه وأولاده.

وإن الحل في التزام كتاب الله قراءةً واستماعا وحفظا وتدبرا لا بدّ أن يكون هذا العامل الرئيسي الذي يجمع العائلة بل يجمع المسلمين بعضهم البعض، لأن الخير كل الخير فيه سواء للنفس أو الجماعة، وثانيا التزام السنة وتعليم الصبية ما كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم يفعله، ثالثاً اللغة العربية وإتقان العلوم الخاصة بها، رابعا اختيار الصحبة الصالحة لنا ثم للأولاد لأن الصحبة هم العائلة الثانية بعد العائلة الأولى.

وهذه أركان بناء المسلم الصالح وهم منبع كل شيء في حياته العملية والعلمية والاجتماعية والنفسية، ونحن في زمن لا بدّ فيه من العض بالنواجذ على تربية الأبناء والاهتمام بصلاحهم النفسي والفكري والثقافي والبدني، ومعظم هذه الأشياء لا تأتي إلا بالزوج والزوجة الصالحين، فأحسنوا الاختيار تحسنوا تربية الأبناء والبنات.