إن الحالة الصوفية التي يعيشها الإنسان المسلم هذه الأيام قنبلة موقوتة تهدد قلبه حيث يتشبع بالمواعظ والقصص ولا يجد لقدمه معترك ينافس عليه، ومع كثرة الابتلاء أو المصائب ينفجر قلبه عاجلًا أم أجلا لأن رصيده الإيماني عبارة عن بضع مقاطع مرئية على وسائل التواصل الاجتماعي أغلبها إما مواعظ أو تنمية ذاتية ملحقة بمؤثرات صوتية ولا يوجد لديه رصيد إيماني حقيقي من الطاعات أو العبادة بشكل عام حتى أنه يترك الكلام الرباني الميسر للذكر سواء كان القرآن الكريم أو التسبيح بمعناه الواسع.

أما التبريرات فهي حجج واهية التي يبررون بها هكذا افعال كثيرة وكثرة تكررها تجعلك تترك الإسلام بالكلية لأنها تأكل من إيمانك كما تأكل النار الحطب، وقال الإمام الشافعي رحمه الله "إذا لم تشغل نفسك بالحق. شغلتك بالباطل" والشيطان يقعد لك على الصراط المستقيم ينتظر سقوط لا أقول بضع واجبات الطاعة بل بضع السنن حتى يتمكن من هدم ركن دينك، واعلموا أن الله لا يضيع أيمانكم لكن نحن نفعل ذلك بأيدينا.

أولا حجة الله يريدك أو لا يريدك هذا يسمى القدر والله يجري أقداره كيف شاء ومتى شاء ولكنه في نفس الوقت لا يضيع إيمان الناس كما أسلفنا يعني إذا أراد العبد الصلاة مثلا يوفقه الله إلى إقامتها إذا رأى الله صدقه وإذا لم يرى الله صدق العبد سلط عليه نفسه تأمره بالفحشاء والمنكر.

يعني خلاصة هذه النقطة القدر لا يجوز دفعه إلا بالدعاء فإذا كان شرا وصرفه الله كان ذلك في علمه السابق سبحانه وتعالى وإذا كان خيرا وأجرى الله القدر هو أيضًا في علم الله سبحانه وتعالى السابق، وإن الشرع يعطي حق الفعل وعدم الفعل للعبد لأن الله تبارك وتعالى أعطاه الإرادة الحرة بما يعني أن الإنسان مخير فيما يعلم ومسير فيما لا يعلم.

أما الحجة الثانية يقول بعض الناس أغلبهم من الذين لا يلتزمون الطاعات أو لا يصبرون عليها، أن الله لا يعبد إلا بالحب وأن الإيمان في القلب وإذا كان يفعل الطاعة يقول لا أجد فيها لذة، وهذا صحيح قد يجد الإنسان أحيانًا بعض الثقل في عبادته لكن من قال لك أن يعبد بالحب وحده بل يعبد بالخوف ويعبد بالرجاء ويعبد طوعا وكرها، ويعبد في كل الأحوال على اختلاف حالة النفس والجسم في العافية والسقم.

تصور الشباب لمنهجية التزكية عند الشباب في هذا العصر  تصورهم لها خاطئ وتفكيرهم مضلل تجاهها وهذا لأن التزكية تكون بالمجاهدة الحقيقية لا بالنيات فحسب، لأن المسلم يفعل ما يأمره الله بمقتضى الشرع يعني إذا ترك الطاعة متكاسلا فهو آثم ويعاقب عليها يوم القيامة ويقول النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم "تارك الصلاة كافر" وهذا أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، لأن الصلاة عماد الدين فإذا تركها هدم دينه.

وهذه التزكية أو الصوفية الحقة في عصر الحداثة في كما يشاع عن مصطلح الانقطاع عن العبادة، ليست مجرد أشعار أو رقصات بهلوانية أو تحديد معين لذكر ما، ولا حتى تكون بأن تفكر بعقلك في الدنيا وقلبك لله، بل قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فأنت لا تساوي شيئا بدون الله والله تعالى يأمرك بالتوكل وهو حالة قلبية والسعي وهو حالة عملية.

أما التزكية الحقيقية تأتي من خلال التزام العبادات مع الاجتهاد في تزكية النفس بالأخلاق الحميدة من خلال صدق اللسان وغض البصر والانتهاء من الفضول الزائد في معرفة أحوال الناس والمروءة والحلم والأناة، أما التصور الخاطئ مبني على إسقاط فكر العلماء والدعاة على العوام الذين لا يعلمون من الكتاب إلا أماني وهذا ينشئ تصورا من شأنه يجعل العوام يقتلون أنفسهم ويسعون لأي شيء يسكن فراغهم الروحي، لذلك تجد الموسيقى غذاء الروح منتشرة بين كثير من شباب المسلمين.

أما إذا كان هؤلاء يريدون تبرير ابتعادهم عن الطاعة والعبادة وبداية سلوك طريق المعصية، فلهم ذلك ولكن لا يدخلون أحكام الشريعة في هوى النفس فإن شرع الله تام وكامل فيه ثواب الطاعة وننسى كثيرًا أن فيه أيضًا عقاب للمعاصي والكبائر، وليس لك أو لي الحق أن نأخذ أمر ونترك آخر لأن هذا من فعل اليهود، نعم في حالة العمل تختلف الهمم ولكن ما دمت علمت أن هذا الأمر أو ذاك معروفا كان أو منكرا لا بدّ أن تلتزم أمر الله على قدر الاستطاعة، وإذا أذنبت ولا بدّ أن تقع في معصية فعليك أن تتوب إلى الله كلما زللت.

واعلم أن الله غني عن عبادتك ولكنك فقير تحتاج إلى ثوابها مع يقينك بأن الله هو الذي وفقك إلى ما تقوم به وأنك مهما تفعل مقصر في حق الله، فقد كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عبدا شكورا يقوم الليل ويستغفر في المجلس الواحد سبعين مرة دليل على الكثرة وكان أكثر ما يدعو به اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وهذا كله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.