بسم الله نحمده ونستعينه ونستغفره والصلاة والسلام على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم نبي الإسلام ومبشر الخير في المنام وخير من يهتدى به في الحياة والممرات فهو خير الأنام.

 أما بعد فإن الإنسان في خضم الأحداث التي يمر بها في دنياه والتي تسبب له أسباب للسقوط والزلل يحتاج إلى عامل محوري هام حتى يستقيم على أمر خالقه سبحانه وبحمده وما من شيء إلا التقوى تجعل الإنسان يهتدي إلى الصراط المستقيم والحق المبين.

اعلم أيها الفقير إلى ربه الغني الحميد أن التقوى سبيل الخلاص من الشهوات والشبهات وأنها عمل المخلصين وأن تحقيق التقوى أكبر مراد من الله عز وجل منك كما في قوله تعالى «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» وأنها العطر الذي تستعد به للقاء الله تعالى حيث أن القلب السليم محل نظر الرب سبحانه فإذا وجد التقوى فرح بعبده وأضحك عبده بإذن دخوله للجنة.

اعلم أيضًا أنك تصارع على جبهتين جبهة بينك وبين نفسك وهذه أخطر جبهة لأنها جحر المؤمن التي يأتي الشيطان إليك منه وجبهة بينك وبين الناس وهذه المعركة سهلة نسبيا إذا تسلح المرء بذكر الله والابتعاد عن مواطن الشهوات لكن أعظم ما ابتلى به الإنسان لا أقول الكافر بل والمسلم هو ذنوب الخلوة، وهذا اختبار ليس حقيقيا فحسب بل وصعب جدا على من يريد التوبة إلى الله، واختبار سهل لمن يجهر بالذنوب والمعاصي، وإن التقوى هى معيار هذا الاختبار فشتان بين قلب يجعل العين تدمع من خشية الله وقلب يجعل عين الله أهون الناظرين إليه.

وعلم الله في علمه السابق وعورة الطريق إليه لذلك أمرنا باتخاذ التقوى زاد بل وأخبر عنها أنها خير زاد للسائر في طريق الحق تبارك وتعالى كما في قوله تعالى «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ»، والحصول على هذا الزاد ليس سهلا كما يتخيل البعض بل صعب وحتى تحصل عليه عليك بمخالفة هواك ومحاربة شيطانك وتزكية نفسك وهذه تأخذ سنوات وأعمار ومن ثم تبدأ في استشعار تقوى الله في قلبك لكن من رحمة الله أنه من أتاه يمشي من عباده أتاه الله هرولا.

وكلنا أصحاب ذنوب ومعاصي ولا أحد يسلم منها لأن كل بني آدم خطاء لكن الفرق أن هناك من علم بعواقب الأمر فخاف مقام ربه فترك المعصية ابتغاء مرضاة الله، وهذه الحالة وهى خوف الله قد تدوم مع من يدوام على الطاعة وتأتي بين حين وآخر لمن يعصي الله لما اسميه عصيان المضطرب فهو لا يرغب في المعصية لكنه يقع فيها بحكم ضعفه وللأسف الشديد لا يفر من أسباب السقوط باللجوء إلى الله القوي سبحانه وتعالى.

وأحد أسباب الرزق والتسيير هو تقوى الله عز وجل حيث قال الله تعالى‏ في محكم التنزيل {‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏}.

والتقوى تحقق معية الله وحبه معا وهذا أشرف ما يناله امرؤ مسلم في دنياه كما في قوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ وقال تعالى في موضع آخر «بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ».

وأختم بقول علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه عن التقوى إذ قال " هى الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".