في إحدى لقاءات العلامة د.عبدالوهاب المسيري صاحب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية وصاحب الرؤى الصائبة والكتب القيمة، ذكر أنه كان مشرفا على رسالة دكتوراه لطالب سعودي وأن هذا الطالب ذكر مفاهيم البطولة من وجهة النظر الغربية وضرب مثلا بهاملت وأديب، ثم عقب بعد ذلك قائلا أنه لا بدّ من تعليم المفاهيم العربية الإسلامية بجانب الأدب الإنجليزي أو "أي علم غربي يدرسه الطلاب" حتى يستقيم المنزل عند الإنسان العربي وخاصة الذين هم في طور التعليم.

وصدق رحمه الله رحمة واسعة فإننا الآن نشهد هجمة شرسة على الإسلام من خلال التعليم وخاصة في تخصصات كثيرة على سبيل المثال التاريخ، يتم تعظيم أدوار قادة الغرب وتصديرهم إلينا على أنهم ذوات حنكة ودهاء وتهميش دور العظماء من المسلمين وخاصةً من عصر صدر الإسلام من الصحابة والتابعين.

هذا من شأنه أن يجعل الطفل الصغير في ريب من أمر دينه ككل، لأن تشوه حملة الدين يكون بمثابة ضرب ثوابت الدين في قلبه وإذا بحث عن قدوة فلن يجد إلا قادة الغرب أو الأبطال الخارقين في أفلام Marvel، والغريب أننا نغفل الكثير عن سيرتهم الشخصية ولا نعلم إلا جانب واحد فقط من جوانب حياتهم وهذا ما يصنع هالة على أفعالهم كأنهم قديسين.

وإذا جئنا للواقع الذي نعيشه اليوم نجد أن الطفل أو الشاب يعرف عائلة اللاعب الفلاني بالاسم ولا يعرف اسم النبي صلّى اللَّه صلّى اللَّه كاملا أو صحابي جليل من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وهذا يعبر عن فجوة كبيرة بين ما هم عليه وبين ما نريد منهم أن يصبحوا عليه مستقبلًا!

قد يصلي الطفل وينتظم في صلاته ولكن لن تجد فيه حبا لها وشوقا لها لأن مشاهدة فيلم ما أو مباراة كرة قدم لفريق يشجعه أو يلعب لعبة من ألعاب الفيديو أهم من ركعات الصلاة أو تلاوة ورد من القرآن أو مذاكرة مواده الدراسية وهذا مشاهد الآن في الأطفال دون السادسة عشر من العمر، وهذا لأنه يجد نوع من اللذة والتفاعل اللازم لإثارة حماسه وعواطفه الذي لا يجدها في الصلاة لأنه يقيمها كواجب مرتبط بعقاب وثواب من الأب والمفترض أن يكون هذا مرتبط بالرب سبحانه وتعالى.

ونأتي هنا لمنظومة التربية في البيت قد يقول قائل اتركوه يلعب فمازال طفلًا وغدا يكبر ويتعلم، أو لم تعلم أيها الأب أن العلم في الصغر كالنقش على الحجر، وأن تركه يلعب ويلهو ليس بالفعل الهين بل إثم كبير، وخذها مني «دموع الألم والمعاناة من طفلك وهو صغير هي دموعه سروره ونجاحه كبيرا، بل ويفتخر بذلك» لكن بجانب ذلك لا بدّ من التربية النفسية السوية وتشجيعه بالهدايا والكلمات الطيبة حتى لا يخرج قوي معرفيا لكنه هش نفسيا واجتماعيا وهذا أخطر أنواع الجروح.

والتعليم العلماني ليس هو المشكلة في حد ذاته بل نمطية التعليم هو المعضلة لأنه نظام يربي نسخ متشابهة رغم أن الله تعالى كرمهم بالاختلاف والملكات والمهارات التي تجعلهم يبدعون في المجتمع في مختلف المجالات، مرورا بالمنهج الذي يجعلهم يحفظون كميات هائلة من المعلومات وصولًا إلى تعليم رأي الفرد الواحد فلا مناقشة ولا حوار مع الطالب فيخرج تبعا لما أتى به الأستاذ الذي يعلم مادة وضعها خبراء موظفون من الدولة لهذا الغرض.

أما التعليم العلماني فهو لا يريد دين ولا تدين في مجال العلم لذلك يسعى أن يكون الدين على الهامش لا فائدة له، على سبيل المثال مادة العلوم يدرس فيها التلاميذ نظريات مثل التطور والانفجار الكبير وهذا مخالف للشرع وما نزل به القرآن، والغريب أن هناك كل جيل يعتقد بأن ما يأخذه في الفصول الدراسية حقائق لا بدّ من تصديقها وهذا يشكل خطرًا كبيرا عندما يواجه الواقع والحل هو سعة الإطلاع في الكتب الشرعية والعلمية والثقافية والاجتماعية مع المتابعة المستمرة حتى لا يقع في فخ الشبهات.

ختاما الإسلام لا يحرمك من العلم وأخذ ما توصل إليه غير المسلمين من أمور تنفع البشرية ولكن لا بدّ أن تتناسب مع طبيعة المسلم في عقيدته وثقافته وعاداته، لأن العلم بدون أمانة وتقوى سيكون وبال على صاحبه إذ لم يكون صاحب رسالة في تربية النشء والشباب تربية يفتخر بها رسول الله يوم القيامة.