《حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سُليمان وجنوده وهم لا يشعرون 》سورة النمل الآية ١٨

نستكمل حديثنا عن شرح وتأويل الآية الثامنة عشر من سورة النمل .
ونأتي إلى لغة حوار النملة التي خاطبت بها واديها ، فقد خاطبتهم ب " يا أيها النمل " . وذلك النداء جاء من أجل التنبيه واليقظة والإلتفات بالإنصات لكل من يسمعه من حدب وصوب ولكي يعلم الحاضر الغائب للإنصياع إلى أمرها الهام ألا وهو : " ادخلوا " ، وهنا نجد أن النملة خاطبتهم مخاطبة العقلاء ، فلم تقل لهم : ادخلن أو قِفنَ وغير ذلك من أوامر ، بل إن الأمر جاء مباشر وصريح بالدخول إلى المساكن الخاصة بهم لأنها مصدر الأمن والحماية من المخاطر التي تتهددهم سواء مخاطر بيئية أو إجتماعية وغيرها من أخطار . لذا جاء النداء واضح وصريح بالدخول إلى المساكن التي عملوا على بنائها بأنفسهم أعتماداً واستناداً على فطرتهم الإلهية من حيث تأمين أنفسهم بوسائل الدفاع المتعددة لديهم في تصميم تلك المنازل .
ثم أوضحت تلك النملة سبب ذلك التحذير والتنبيه بقولها " لا يحطنمكم " ؛ أي حتى لا يعمل سُليمان وجنوده على هلاككم والقضاء عليكم بالتحطيم والتهشيم .
هنا يجدر القول أن كلمة " يحطمنكم " قد أثارث جدلاً واسعاً للإتيان بها في سياق الآية بدلاً من كلمة القتل أو غيرها من كلمات تؤدي المعنى . إلا أننا نجد أن العلم أثبت لنا أن جسم النمل يتكون من مادة " الكيتين " ، وهي مادة تتميز بأنها صلبة ويابسة ؛ لذا لزم الأمر الإتيان بكلمة التحطيم الأعم والأشمل والتي تتناسب في المعنى والدلالة مع المادة التي يتكون منها جسم النمل ، فوضعها هنا وضع ضرورة وليس وضع مجازي .
ثم جاء بعد ذلك السياق لدور المتسبب في ذلك الخوف والهلع لها ؛ ألا وهو " سُليمان وجنوده " .
لقد جاء القرآن الكريم في تلك الآية باسم سُليمان اسماً علماً دون صفة ، وذلك للدلالة على معرفة النمل بحقيقة مكانته ورفعة شأنه ومُلكه العظيم ، وتنتقل تلك المعرفة وتتجلى أيضاً من خلال معرفتهم بجنوده ، حيث أن القرآن الكريم ذكر كلمة "جنوده " ولم تقل "جنده " ، وذلك لأن كلمة جنوده تتضمن كل شئ سخّره الله له من الجن والإنس والطير والجبال والرياح وغيرها من كائنات سواء حية أو غير حية . أما كلمة جنده فإنها تنحصر على العساكر المحاربين من الجنس البشري فقط.
وعلى الرغم من شدة ذلك الخوف والفزع الذي سبّبه لها سُليمان وجنوده ، إلا أنها نفت عنهم صفة الشعور. وليست صفة المعرفة ، حيث أنها وصفتهم بكلمة " وهم لا يشعرون " ، لذلك فقد منحتهم عُذراً وسبباً ومُبرراً ، وهو عدم الشعور ؛ أي عن غير قصد متعمد للهلاك .
وما كان من جراء ذلك الحوار الثرّي بالمعاني الواعي بالفهم المدرك بالعقل والفطرة أن ساعد في رسم صورة استقرائية إنعكاسية عن حياة كائن حيّ على ظهر الكرة الأرضية ما كنا لنعلم عنه من قبل شيئاً بتلك الدقة والوضوح .
لذا كان ردّ فعل سُليمان أن تبسم ضاحكاً حامداً شاكراً ربّه على كل تلك النعم التي وهبها إياه ونعم عليه وعلى والديه بها .
لقد كشف لنا ذلك الحوار علم خُفَيَ علينا وحُجب عنا بكل ما به من أسرار وخفايا وكنوز .

و قد قال الأستاذ الدكتور صبري الدمرداش في كتابه
" حوار مع نملة مؤمنة " :
" هكذا انتهى الحوار ودار فيه ما دار ، وعرفنا منه الأخبار ، وكثيراً من الأسرار عن أمّه حسبناها بكماء ، فإذا هي أبلغ البلغاء ، أمّه فيها الأدوار وُزّعت ، والمهام حُدّدت ، والعدل قائم والنظام صارم ....
فيها الذكور قِلة ، وهم مساكين أذلّة ، والشغالات منهن المنظفات والمربّيات ، وكما نبني نحن بيوتاً وقصوراً ، فللنمل كذلك مساكناً ودوراً " .

بقلم دكتورة / فاتن ناظر