《حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سُليمان وجنوده وهم لا يشعرون 》سورة النمل الآية ١٨

إن هذه الآية الكريمة بها الكثير والعديد من الإعجاز البلاغي والعلمي والديني . حيث أن هذه الآية دللت وبرهنت على الكثير من الأمور العلمية بطريقة بلاغية بيانية ممتعة تنسج بين حروفها نغمات موسيقية تنطق عن فحوى معناها دون تأويل أو تفسير ، وترسم ملامح لعالم إجتماعي كنا نحن نجهل عنه الكثير لولا معرفتنا إياه بالقرآن ومن بعده العلم ، كما أنها تصف للفضل الوفير والخير الكثير الذي منحه الله لسُليمان عليه السلام ، وذلك مصداقاً لقول سُليمان 《 وأوتينا من كل شئ 》سورة النمل الآية ١٦ .

إن تلك الآية وصفها الدكتور فاضل السامرائي بأنها حديث يتصف بالعديد من الأمور والصفات .
حيث أننا نجد أن تلك النملة أحسّت بوجود سُليمان وبادرت بالإخبار ونادت " يا أيها النمل " ، ونبّهت "أيها" ، وأمرت "ادخلوا " خاطبت العاقل " مساكنكم " ، ونهت " لا يحطمنكم " ، وأكدت " نون التوكيد " ، ونصحت وبالغت في النصح " يحطمنكم " أجمعين غير تاركين منكم من أحد على ذلك الوادي ، وبيّنت من الفاعل " سُليمان وجنوده " ، وأنذرت وأعذرت ونفت " وهم لا يشعرون " .
ويجدر بنا الآن أن نأتي إلى شرح تلك الآية جملة وتفصيلاً للوقوف على ما بها من بلاغة وإعجاز .
لقد بدأت الآية الكريمة بحرف حتّى ، وهو حرف للدلالة والبرهان والغاية ، للاستدلال به على مُلك سُليمان وفضل الله ونعمه عليه من تسخير كل شئ تحت أمرته وطوعاً له .

أما وادي النمل فقد اختلف العلماء والشرّاح في تلك التسمية من حيث سبب التسمية ؛ فهل هناك وادي يسمى بهذا الأسم من عدمه . إلا أن العلم قد حسم ذلك الجدل ، حيث أنه أثبت أن النمل تصنع من مساكنها أودية ومنحنيات ومسالك ودروب في جحورها الخاصة.

وقد كان في وادي النمل هذا نملة لها دوراً عظيماً ، إلا أن لفظ نملة أثار جدلاً واسعاً ونقاشات متعددة على كافة المحافل ، إلا أن الإعجاز القرآني والعلمي يأتي بكلمته الفصل في تلك المسألة . حيث أن المتأمل لقواعد اللغة العربية والمافحص في معانيها يجد أن كلمة نملة لا تدل على جنس سواء ذكر أو أنثى وإنما هي كلمة مفردة واحدة لكلمة نمل مثلها مثل الذبابة والسمكة والحمامة والشاه والإنسان ، فهل تلك الكلمات والمعاني ذكر أو أنثى ؟؟؟ ، وذلك كما جاء في التحوير والتنوير في تفسير بن عاشور ..
كما يأتي العلم الحديث ويدلّي بدلوه في تلك المسألة ، حيث نجد أن العلم يثبت لنا أن أنثى النمل لها الدور الأبرز والأهم من حيث توليها وإقامتها على رعاية ذلك المجتمع الحشري وحمايته من المخاطر التي تتهدده وتوفير الطعام والمؤونة والتخزين وإعداد الأنثى التي تُمثّلها الملكة للتزاوج من الذكر الذي ينحصر كل دوره في التلقيح فقط . لذا كان لابد للقرآن أن يذكر ذلك الدور العظيم الذي تقوم به أنثى النمل ويُنحّي دور الذكر الثانوي حتى يُولّي كل ذي حق حقه من حيث العدل والإنصاف .
يتبع ...............

بقلم دكتورة / فاتن ناظر