تشير الساعة الآن إلى الثالثة فجرا، الأمطار تنقر سقف المنزل بلا هوادة، والريح تصفع الأبواب والنوافذ دون رحمة...

في مكاني أُنصت إلى كليهما، وكأنهما تركضان خلف بعضهما البعض لا تأتيان في اللحظة ذاتها، وكأنهما متخاصمتان منذ زمن بعيد.

منذ كنت طفلة أعرف أن من قواعد الطبيعة أن بعد الريح لابد من مطر، لا أدري عن باقي البيئات لكن في منطقتي تعودت حصول ذلك وحفظته أيضا من جدتي.

هدأت الريح وخفت صوت صرير الأبواب والنوافذ وعادت زخات المطر من جديد، تبدأ خفيفة ثم تتصاعد وتقوى وكأن بها خطب ما، أو ربما غاضبة …

في هذه الساعة أحاول تشتيت عقلي وبعثرة أفكاري وإلقاء العوائق والعلائق وأتابع فقط صوت المطر…

إنّ الأمر أشبه بالتأمل عند الهندوس والبوذيين، حين يستعينون بأصوات خارجية للتركيز عليها وإسكات صوت العقل ولو بشكل مؤقت،

في اعتقادهم أنّ للأفكار طاقة وذبذبات وكل ما نراه في الواقع من أشخاص ومواقف وكل شيء يخص حياتنا ما هو إلا نتيجة لتلك الأفكار التي تبث ذبذباتها في الكون،

ليس الأفكار وحسب حتى الخلايا يقال أنّ لها ذبذبات، باختصار يعتقدون أن الأفكار تخلق الواقع، وهذا صحيح لكن ليس تماما كما يعتقدون.

لذلك يأتي التأمل لحل المشاكل وإسكات العقل يعني أن نهذّب واقعنا ونُصّفّيه ونُنقّيه، لكن لو كان الأمر بهذه السهولة لماذا مازلنا عالقين في متاهات الأفكار، ومصيدة الماضي والذكريات.

لا أدري كيف وصلوا لهذه الفكرة، لكنها لم تأتي عن عبث وإنما هي حقيقة، لأن الأفكار هي المادة الخام للحياة فكل شيء قبل ميلاده كان فكرة، الهاتف الذي أكتب منه كان فكرة …

لكن مهلا إذا كانت الأفكار هي المادة الخام وكل البشر يفكرون ولديهم أفكار لكن الواقع مختلف من شخص إلى آخر، إذن أين المشكلة؟

المشكلة تكمن في نوعية وجودة الأفكار، لنفرض أنني بالأمس فكرت في صديقتي التي أساءت لي قبل خمس سنوات، ثم تلت تلك الفكرة إساءات كثيرة جمعتها من الطفولة والمدرسة والجامعة والعائلة،

 والأفكار تركض كالغزال سريعة ويجر بعضها بعضا، كيف تتوقعون يومي، لا شك سأكون مستاءة جدا وأشعر كم أنني بائسة وحظي سيء ولا أحد يحب لي الخير.

لكن في المقابل لو فكرت في صديقة اختارتني رغم أنها تعرف كل السوء الذي أحمله، وقالت لي أنني أستحق الأفضل، وتلى ذلك التفكير في أشياء رائعة وتلك الأشياء الرائعة ساقت في طريقها كل ما هو أروع، كيف تتوقعون يومي بعد ذلك؟

إذن نحن مسؤولين عن واقعنا، وكل ما علينا فعله هو توجيه أفكارنا ولا أقصد التأمل بالتأكيد لكن أن نكون واعيين على الأفكار والخواطر التي تتوارد على عقولنا، قبل فترة كنت أراقب أحد السلوكيات السيئة في نفسي لأعرف مصدره،

 وكتبت يومياتي لما يزيد عن شهر أصف مشاعري وحسب ولم أكن أعود لقراءتها إلا بعد فترة وما لاحظته كان رائعا، لقد كان ذلك السلوك نتيجة أفكار تحمل في طياتها شعورا بالعار وعدم تقبل بعض الأمور في حياتي وبالتالي كان يأتي التصرف كردة فعل دون إدراك، كان إنجازا يستحق الاحتفال وقتها.

وقبل يومين سمعت بودكاست لأحد الشباب الذي عاش في الغربة وعاش عزلة لما يقارب السنة وقرأ فيها بمعدل كتاب يوميا، وقال أنه كان يدون يومياته أقصد يصف مشاعره المستحوذة عليه في اليوم والليلة والعجيب أنه لاحظ أن المشاعر نفسها تتكرر في نفس اليوم من كل سنة بطريقة ما وكأن التاريخ يعيد نفسه،

 لا أدري ما السر وراء هذه الملاحظة لكن الفكرة ألهمتني أن أستمر في ذلك وأكتشف نفسي أكثر، لأنني بين كل فترة وفترة ألاحظ أشياء في نفسي من خلال كتابة اليوميات.

كل لحظة بحاجة إلى تأمل، وأنا متأكدة أنه خلف كل تصرف فكرة، وقد لا تكون الفكرة دائما اعتيادية، راقب أفكارك لربما تحظى بفكرة خرافية تغير حياتك.

__________________________________

هذه الفضفضة مستلهمة من نشرة بريدية لموقع the write practice النشرة عبارة عن إعلان لتحدي التدوين اليومي والكتابة الإبداعية