المكان: مطار محمد الخامس الدولي.

فبراير 2000

استوقفني الشُّرطي السَّابح في ملكوت زيِّه الواسع عند بوابة الصُّعود إلىٰ الطَّائرة يستيقنُ من استيفائي للشُّروط والأحكام الّتي تؤهلُّني لركوبها.. كنت منهكاً من جرّي للحقيبة المحمَّلة بالدَّفاتر والأسفار، سلَّمته جواز السَّفر وبطاقة الصعود، وأخذ يقلب الصفحات برؤوس أصابعه في خفَّة ومهارة وكأنَّه موزِّع ورق حذق بإحدى الكازينوهات المصنفة، أو نشال محترف بمدينة سياحية معروفة، تفاجأ لعدم وجود ختم المغادرة من شرطة الجوازات، وسألني متعجِّباً: كيف وصلت إلىٰ هنا؟ تعجَّبت لتعجّبه ولم أجد أبله من سؤاله، فأنا لم أنزل هنا بمظلة ولم تنشق الأرض عنِّي بمصراع، ولأنها أول مرّة أسافر فيها بالطائرة فقد كنت أتتبع خطو المسافرين شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وأقرأ اللوحات الإرشادية والشّاشات المُمرَّدة، وأسأل الحمَّالين ورجال الأمن وعاملات النظافة، كان من الواضح جدا أنَّ وصولي إلىٰ هذه المرحلة يشكل خرقاً أمنيًا خطيراً، لكنه لم يردني أنْ أنتبه إلىٰ ذلك وحاول تمويه الموقف بأن طلب منِّي رفع يدي من أجل التَّفتيش، رفعت ذراعي كالمصلوب وطفق يتحسسهما بخفة ثم ضرب بكفه على صدري فوقع قلبي من الخوف، كان في جيب القميص كل ثروتي البالغة بضع مائة فرنك فرنسي ضريع، بادرني بسؤال هجوميٍّ وقد بان شبح ابتسامة ظافرة علىٰ محيَّاه: هل صرّحت بهذه النقود؟ استفزتني فرحة الظفر بي التي تكاد تنفجر بها عيناه الضيقتان، فأجبته محتداً: وهل تريد مني السَّفر إلىٰ بلد بعيد ليس لي به شفيقٌ ولا رفيقٌ من غير مصروف جيب؟ لم أرَ بحياتي من هم أحرص علىٰ العملة الوطنية من رجال أمن المطار والذين جمركوا، يتحققون من أمر كلِّ مسافرٍ ولا يستثنون، إلا قليلاً، ورُبَّ قليلٍ يستحوذ علىٰ كثير، قرَّرالشُّرطي إنهاء اللِّقاء فقال لي بطريقة مباشرة وكأنّه يصدر أمراً عسكرياً: واعطينا باش نفطرو آلطنجاوي.

لم أفهم لماذا قال لي آلطنجاوي، أكانت ترحيبا أم إهانة؟ مجاملة أم تهمة؟ فمصطلح طنجاوي أو شمالي عموماً يحمل مدلولات تتجاوز سقف الوصف الجهوي، لتحمل معاني ومدلولات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية، وتعكس صوراً نمطية عنصرية أحيانا كثيرة، فالشمالي هو ذاك المتعجرف حيناً، المتحذلق حيناً آخر، الذي ولا بدّ أن يتحدّث الأسبانية بطلاقة، كما يقصد به المدلل الذي يأتيه مصروفه من أخيه المهاجر بأوروبا في كل شهر رغدا، كما تعني ذاك الوسيم المتأنّق، المتعلم المثقف صاحب الذوق الرفيع، وتعني كذلك وَبَشاً من الأوباش، العاطل الذي يعيش على التهريب والسّرقة كما وصفه ملك عبقري يشهد بعبقريته القاصي والداني، الشمالي قد تعني المُعارض، وربَّما الأجنبي، أو السَّايب والمتمرِّد حتَّىٰ لا أقول الخائن، تعني المشكوك في وطنيته منذ عهد الخطَّابي إلىٰ الزمن البصراوي.

مددت يميني إلى جيب السروال واستخرجت منه كلَّ ما بقي فيه من العملة الوطنية، اسمٌ علىٰ مسمّىًٰ، وطنيةٌ لدرجة أنها تموت في الوطن، فلا تساوي خارجه جناح بعوضة، كان بجيبي نحو ثلاثين درهما نقَّدته إيَّاها، وكان تحتها مسدس صغير ذو لون أحمر نحاسيٍّ جميل لم ينتبه إليه رجل الأمن، أفقده بريق الدَّراهم حسَّه الأمني وواجبه المهني وعصف الجشع بشرفه العسكري وضميره الإنساني معاً فلم يكمل تفتيشه، وواصلت أنا رياضة القفز علىٰ الحواجز الأمنية، ساعدت الدَّريهمات الوطنية في إذكاء روح التَّعاون لديه فدلّني إلىٰ طريق العودة نحو الجوازات بسرور، تقلّّدتُ عندها وسام الخروج من الجنَّة، هكذا يوصف بلدي العزيز المغرب، وهو جنَّةٌ فعلاً، جنّةٌ خالصةٌ لأعياننا ومحرمة علىٰ أشباهنا، وختم الخروج منها أصبح وساماً يتفاخر به كل من استطاع إليه سبيلا، عدتُ إلىٰ بوابة الصُّعود مروراً بذات رجل الأمن الذي حيَّاني كأنَّه وليٌّ حميم، ودخلتُ الطائرة أجرُّ حقيبتي كما تُجرالدابّة الحرون، وفي جيبي سلاحٌ أستطيع أنْ أحوِّل به وجهة الطائرة حيث أشاء.


يتبع…