كنت أتبعه كظله عندما كنا أطفال، هو الأخ البكر أو كبير البيت.. لسبب ما، ترك المنزل قبل سن المراهقة، وغاب طويلاً لم نكن ندري بأنه سيغيب للأبد. 

رحل من دون أن يودعنا أو يعاتبنا أو يمازحنا.. كأنه كان يدري بظروف رحيله وأهوال غربته.. كان يردد رائعة الفنان - مصطفى مضوي- عشرة سنين منو اللي ببكيني لو متا

عشرة سنين 

منو اللي برجاها تتعدى 

  إلى آخر الأغنية المفعمة بالحزن والشجن 

هذه كانت أغنيته المفضلة على الدوام، كنت أسمعه بإستمرار يدندن بها... بنفس هذا الشعور بالاغتراب والشقاء والبعد عن الأهل.. رحل إلى بلاد غريبة وسط ناس غرباء لا يكاد يعرفهم ولا يعرفونه.. وصلنا هذا الخبر الصاعق والمزلزل الذي جعلنا نشعر بالذنب على تركه يموت هكذا ميتة، لا شيء نملكه أو نحسه يخفف علينا عذاب الضمير ومرارة الفقد.. هذا الألم الذي نعانيه قليل مقارنة بما تحسه أمي.. هي أكثرنا ألماً وشفقة عليه.. كانت تسأل عنه بإستمرار و تتوسل من أجل أن يعود، لكنه كان لا يلتفت إلى الوراء، ظل متجولاً بين غرب السودان وشرقه ووسطه.. وأحياناً يذهب إلى تشاد وأفريقيا الوسطى.. تأتينا أخباره بصورة متقطعة، في بعض الأحيان يختفي كأنه غير موجود أصلا.. لكن سرعان ما نطمئن عليه في منطقة (نيالا أو بانقي_بأفريقيا الوسطى) 

آخر أيامه كان موجود بمنطقة (أم دافوق) بولاية جنوب دارافور_قبل أن يودع أيام شقاءه ويعلن إستراحته الأبدية في رحاب الرحمة الإلهية.