يمتطي صاحبنا درّاجته الهوائيّة بعد صلاة العصر متّجها صوب الشّارع العامّ، ليعرض هنالك سلعته للبيع، فيبدأ بافتراش طاولة صغيرة لا تتعدّى خمسين سنتيمترا، ثم يشرع في تنظيم زُجاجات العطر الصّغيرة طولا وعرضا بشكل يجذب العملاء، وقد قام بتجهيزها في البيت بشكل متقن وأنيق، يضاهي ما عند متاجر ومحلّات العطور الصُّغرى والمتوسّطة جودةً وأنواعا...

يتّخذ تِرْبُنا مكانًا له بعيدا عن المارّة، فهو بائع متجوّل !!! لكنّه يراعي الآداب العامّة والنّظام العامّ، إلا أنّ الظّروف دعته للبيع في الشّارع لقلّة ذات يده، وعدم توفّر الإمكانات لشراء أو حتّى كراء محلّ تجاريّ صغير...

يجلس رفيقُنا فوق كرسّيه الصّغير قُدّام سلعته، منتظرا أوّل زبون، وهو يحمل كتابا ليقرأ فيه، وبجانبه قهوته المركّزة نسبيّا، متفاديا بذلك مناظر الكاسيات العاريات من جانب، ومن جانب آخر مستغلّا وقته في العلم، حتّى إذا لم يحصلّ دراهما حصّل فائدة...

يبلغ ثمن الزّجاجة الواحدة دولارين، فهي ما بين 12 إلى 18 ميليلترا، فيها نسبة من الكحول، والباقي من خالص نوع العطر المختار، وكلّها عطور رجاليّة...

وهكذا تمضي السّاعات ما بين قراءة، ومساومة، وبيع، وشراء، وتأمّل في حال هذا المسكين، الذي درس ثماني سنوات بعد الباكالوريا، وحصّل الشّهادات العليا، وطالع عشرات الكتب في مختلف أنواع العلوم والفنون، وحرّر عشرات المقالات في مجالات متعدّدة، وضاع شبابه في المدارس والجامعات، وقد أرسل آلاف السّير الذّاتيّة لمؤسّسات وشركات عامّة وخاصّة داخل بلده وخارجه دون جدوى، وهو ينظر في وضعه بدون عمل قارّ ووظيفة تضمن له العيش الكريم، وهو يواجه الشّارع بعُجره وبُجره، فبجانبه يفترش السّجناء السّابقون، ومن لم يسبق له أن دخل المدرسة قطّ، وغير هؤلاء ممّن على شاكلتهم، الذين لا يميزون بين الشّحم والورم، والزّجاجة والجوهرة، لكنّها الدّنيا دار البلاء، والابتلاء، فليس يصفو فيها حال، ولا يرتاح لمؤمن عندها بال...

ثم ينظر أعلاه تُجاه الشّرفات العالية في الشّقق المرتفعة، ويشرع في أحلام اليقظة، لو كان لي كذا وكذا، أو كنت كذا أو هكذا، لكنّه يستفيق أمام الأمر الواقع، فسرعان ما يتأقلم مع الوضع...

حتّى من إعلانات دروس الدّعم التي ألصقها في الحيطان ليجلب بها عملاء في مجال تخصّصه قام مجهولون بإزالتها، أهو حسد أم خبث؟ أم هو جهل وسفاهة؟ أم ماذا يا إخوان؟ إنّه ترجمة للمستوى الأخلاقيّ المتدنّي، والجوّ العامّ الذي صارت عليه بلداننا إلا من رحم الله، والله المستعان...

غابت الرّحمة وحلّت محلّها القسوة، أين الأقارب ودفء العائلة؟ أين الخليل والشّقيق؟ أين الرّفيق والصّديق؟ أين العمّ والخال؟ هيهات هيهات!!!

الكلّ مشتغل بنفسه ومن حوله، ولا يهمّه أحوال الآخرين ولو من أقرب الأقربين، فلا يسأل عن حالهم؟ هل أكلوا أم شربوا؟ هل كسوا أم عروا؟ هل ضحكوا أم بكوا؟ هل حزنوا أم فرحوا؟ هل مرضوا أم صحّوا؟ هل عاشوا أم ماتوا؟ لا سؤال ولا اتّصال، ولسان حالهم يقول: "ما حكّ جلدَك مثلُ ظفُرِك"!!!

هكذا يقضي عزيزنا يومه إلى حين غروب الشّمس واقتراب موعد صلاة المغرب، فيعود أدراجه محصّلا ما كُتب له ذلك اليوم، وهو يمنّي النّفس بتحسّن الحال وانقلاب الأحوال، ولا أمل سوى في الله تعالى، فهو الرّزّاق سبحانه، وهو المعطي المغني؛ الذي بيده خزائن السّماوات والأرض، وهو الكريم الجواد جلّ في علاه، فلا ييأس المرء من وضعه، وليستعن بالله ولا يعجز، فرزقه مقسوم، وإنّما يصله بأجله، والرّزق ليس قصرا على المال فقط، فهو باب واسع لا حصر له، فالدّين رزق، واتّباع السّنة رزق، والاستقامة رزق، والتّوفيق للطّاعات رزق، وحسن الخلق رزق، والصّحة رزق، والعلم رزق، وهلمّ جرا من أبواب الرّزق التي لا تُحصى ولا تُعدّ، وإنّما هي رعونة النّفس، وخِفّتُها، ونزقها؛ التي تريد كلّ شيء عجلةً، وتستبق رزقها، ولا تنظر فيما عندها، بل تطمح إلى ما عند غيرها، علاوةً على المغريات، والضّغوطات من هنا وهنالك، فلا أعظم من الصّبر والقناعة، مع اتّخاذ الأسباب والسّعي إلى الرّزق بالطّرق المشروعة، فإن أتى فالحمد لله، وإن لم يتحصّل فالحمد لله على كلّ حال...

فالرّفاهية والمتع المطلقة في الآخرة، وإنّما هذه الدّنيا لن يحصّل منها المرء إلا ما كُتب له مهما طار ونزل، وعلا وسفل، وسافر وبحث، وقلّب وفتّش، لن ينال غير ما أُذن له فيه، فما بلغ أحدٌ علما بقوّة، ولا غاية بعَسْفٍ، وإنّما هو التّوفيق والعمل، فلا نجعلها أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، وإنّما العمل، والحرص، والحزن على فوات الآخرة، فهي دار الخلود والقرار، وموطن المُتَعِ والاستقرار...

كتبه: أيوب بلبل