الحمد لله على آلائه وإفضاله، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمد عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وعلى آله، وصحبه، ومن نسج على منواله، أمّا بعد:

فاعموا رحمني الله وإيّاكم معشر الأفاضل الكرام أنّ الإسلام دعا إلى الاجتماع على الحقّ، وترك الفرقة والاختلاف، وحثّ على توحيد الكلمة لما فيه نفع البلاد والعباد، ونبذ التّعصّب المذموم للأشخاص، والقبائل، والرّموز، والفرق، والجماعات، وغيرها من دعاوى الجاهلية المقيتة، فلا ولاء مطلق سوى لله تعالى ولرسوله عليه الصّلاة والسّلام، وما عداهما فقوله ورأيه معروض على ميزان العصمة "الكتاب والسّنة" فإن وافقهما أخذنا به، وإن خالفهما طرحناه، وضربنا به عرض الحائط.

قال الحقّ جلّ وعلا: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، وقال عزّ من قائل: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ...} الآية، وقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا،} وقال جلّ جلاله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.

ومن السّنة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ الله لا يجمع أمّتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة" رواه التّرمذي، وقوله عليه الصّلاة والسّلام: "ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت، إلا مات ميتة الجاهلية" متّفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلّم: "من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" رواه أبو داود.

والقصد بالجماعة في هذه الأدلة الصحيحة الصّريحة: أهل السّنة والجماعة، وهو ما كان عليه النّبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين؛ علما، وعملا، وعقيدةً، وأخلاقا، ومنهجا، وشريعة، مصداقا لقوله عليه الصّلاة والسّلام: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النّصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين كلّها في النّار إلا واحدة، من كان على ما أنا عليه وأصحابي" وفي لفظ: "هي الجماعة" رواه ابن ماجة، وأحمد، وأبو يعلى.

فكلّ من ادّعى الانتساب لأهل السّنة والجماعة من الفرق، والجماعات، والتّنظيمات الضّالة، والبدعية، والمنحرفة على اختلاف مذاهبها، ومشاربها، ومآخذها من صوفية، ومتكلّمة، وفلاسفة، وحركية، وسياسية غير شرعية، فالمعيار لبيان صحّة الدّعوى من بطلانها واحد ثابت لا يتغيّر ولا يتبدّل، وهو كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه عليه الصّلاة والسّلام، المتمثّلان في أصول أهل السّنة المجمع عليها من علمائها قاطبة.

وقد ظهرت في الآونة المعاصرة قبيل نصف قرن من الزّمان، بعد سقوط آخر معاقل الخلافة العثمانية، وانقسام العالم الإسلامي إلى دُوَيْلات قطرية، وتعرّضها للضّعف والاحتلال من قبل أعداء الله تعالى من اليهود والنّصارى، ثم استقلالها عسكريا لا فكريّا وهُوِيَّةًً، وذلك في أزمنة متقاربة شيئا ما، وقد ترك الصّليبيّون نِحَلَهم وضلالاتِهم وفلسفاتِهم في الفكر، والسّياسة، والثّقافة، والتّراث، والتربية في أرض الإسلام راسخة، واستقطبها من استقطبها من الجهّال، والمُستغربين، والعُمَلاء، والخونة والمارقين، وعملوا على استقرار هذه الأفكار الخبيثة في أمة الإسلام، وسخرّوا لذلك جميع الوسائل الممكنة، والله المستعان وعليه التّكلان.

فانتشرت في ظلّ هذه الزوبعات الجارفة آفة الحزبية المقيتة كالنّار في الهشيم، وأُشربها من أشربها من بني جلدتنا، ومن المحسوبين للأسف على الوسط الدّعوي والدّيني، إن جهلا أو تأويلا فاسدا، وبدأت تظهر آليات مبتدعة في الفكر والنّظر والتّقعيد - ما أنزل الله بها من سلطان - من قبيل الدّيموقراطية، والنّفعية، والاشتراكية، والليبرالية، والفكر الحرّ، والتّفسير السّياسي للإسلام، وتحكيم العقل المجرّد عن الدّليل، والنّظر المصلحي المفصول عن الوحي، والنّظر المقاصدي المُبْعَدِ عن أصوله، وهكذا دواليك من السّفسطات، والتّّناقضات، فصار التّرجيح، والإفتاء، والحكم، والتّصنيف بالرّأي المذموم، والهوى، والتّنظيم الحزبي، وقواعد الحزب المقدّسة عندهم، وميثاق الجماعة أو التنظيم، والتحسين والتقبيح العقليين، وأحيت هذه الجماعات نحلا ضالة انقرضت، وطمسها الدّهر، نحو مناهج: القَدَرَية، والمُرْجِئة، والمُعتزلة، ونظائرها في الفكر والنّظر...

وصار كلّ حزب بما لديهم فرحون، يعقدون الولاء والبراء على الأشخاص، وأفكار الحزب، وآراء التنظيم، وأطلقوا الألقاب، والتّصنيفات، وضّيقوا الواسع، ووسّعوا الضيق، وقلبوا الموازين الشّرعية من نبذ التمييز على أساس اللون، والبلد، والقبيلة، والعشيرة، وأصبح لديهم معيار خاصّ في القبول والردّ، والمدح والذمّ، وهو الانتماء لجماعة أو تنظيم أو فرقة، وكلّما كان الولاء للجماعة أشدّ، ولقواعدها آكد، كلّما كانت المكانة العظمى، والمنزلة المُثْلى للتّابع في نظر المتبوعين...

وقد وافقت هذه الجماعات، والأحزاب المعاصرة مناهج الصّوفية، وطرائقهم، ومسالك النّحل الضّالة، ومناهجهم، مع زيادة ضلالات، وكبير انحرافات في الاعتقاد، والسّلوك، تصادم خلالها قطعيات الشّريعة الغرّاء، وتخالف المعلوم من الدّين بالضرورة، وتناقض العقيدة الإسلامية الصحيحة في كثير من آرائها وأفكارها، ومن جملة ذلك الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، والتّأويل الفاسد المؤدّي إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال، وجعل الغاية تبرّر الوسيلة، وبناء الأحكام على الرُّؤى والمنامات، والأخذ الواسع بالرّخص من غير قيود وضوابط، والتّلفيق الفقهي، واتباع الفتاوى، والآراء، والأفكار الشّاذة من كل مذهب، وادّعاء العصمة في غير الأنبياء، والاعتقاد في الأحياء والموتى بالنّفع والضّر، إلى غير ذلك من الشّركيات والموبقات...

فتجد الحزبيّ أو الحركيّ نزقا، مضطربا في فكره متلوّنا في مبادئه، فمرّة هو صوفيّ، وأخرى إخوانيّ، واليوم ديموقراطي، وغدا ماركسي، والسنة المقبلة تبليغي، وهكذا دواليك من التّّقلبات والاضطرابات الفكرية والعقدية التي يحكمها الهوى، وفتن الشّهوات والشبهات، ثم المصالح المادية والمآرب الشخصية...

ناهيك عن ضعف في العلم والتكوين المعرفي، وسَلاطة في اللسان، وجرأة في إصدار الأحكام، والتّعالم على أهل الفقه والعلم، فتراه سريع الجواب، لا يمهل ذهنه للتّفكير وأذنه للاستماع والانصات، بل يقذف بالجواب كيفما اتّفق، ويتصدّر المجالس والنّدوات، وليس عنده أدنى تزكية علمية أو تكوين رصين، بله أن يكون طالب علم جادّ نحرير، فجماع رأس ماله مطويات هزيلة، ورسائل حزبية وثورية لكبراء جماعته، ونتف من هنا وهنالك، تقوقع فيها، وظنّها العلم كلّه، وهي في ميزان العلم الصحيح لا في العير ولا في النّفير...

وإن سلّمنا أنّ فيها شيئا من الخير فهو ضئيل مقابل ما يتواجد فيها من سموم، وفتن، وقلاقل، ودعوات للخروج عن جماعة المسلمين، والتّحريض على التّعصب، والفرقة، والاختلاف، والتّأسيس للأفكار الهدّامة لشباب الأمة...

وجِمَاعُ رأس مال الحركي أو الحزبي ردود أفعال عاطفية بعيدة جدّا عن العلم الصّحيح والقواعد الشّرعية المرضية، ونقولات وشعارات يلوكها، وقد أكل عليها الدّهر وشرب، وكشفت مآلاتها، ومآرب قائليها، ولا يزال يقتات منها أرباب الحركة على ظهر الجهّال والدّهماء، ثم زمرة أناشيد ركيكة تشعل نار الحزبية، وحمية الجاهلية، مع رفع الشّعارات البرّاقة والرّموز الخدّاعة، ومداهنة أصحاب الباطل والضّلال، والتّحالف مع أهل الفسق، والمجون، والكفر، والشرك، كلّ ذلك من أجل تحقيق السلطة وبلوغ المنصب، وقد دلت الأدلة على هذه الحقائق بما لا يحتاج إلى مزيد استدلال...

ومن ألاعيبهم التّداعي بواجب الوقت والاهتمام بقضايا الأمة، وهي في حقيقتها انفعالات ومظاهرات وصراخ آنيّ سرعان ما تذوب فقاعاته، وعند العمل والمواقف الشرعية المنضبطة لا تجد أحدا يصنع شيئا لأمته، بل يجبن، وتخمد ناره، وتراهم ينفرون الشّباب من طلب العلم، والتّمسك بتعلّم التّوحيد ودعوة النّاس إليه، الذي هو الغاية من خلق العباد، والمسلك الوحيد للنّجاة في اليوم الآخر بعد فضل الله ورحمته، وهي دعوة الأنبياء كلّهم عليهم الصّلاة والسّلام، فضلا عن أن يتعلّموا ما تصلح به عباداتهم ومعاملاتهم، وما ينفعهم في أمر معاشهم، فيصدّونهم عن هذا الخير كلّه، ويضيّعون أعمارهم في النّقاشات الفارغة وفي القيل والقال، وحضور الاجتماعات، والمؤتمرات الحزبية التي جلّ خطاباتها في الشّحناء، والتّحريض، والتّّقعيد للتّمييز ، والتّفرقة والسّياسة المفلسة، وفي اجترار تاريخ الحركة أو الحزب والتّفاخر بمنجزات قدمائها، وإن كانت غير ذات قيمة معتبرة عقلا وشرعا، والحديث عن النّّضال والحركات الثّورية وغيرها من المواضيع الفارغة التي لا تنتج للأمة نفعا سوى الجدال العقيم، والعاطفة الفارغة، هذا إن لم تنشئ جيلا من المتطرّفين أو المنسلخين عن دينهم، وقد حصل، عياذا بالله تعالى من ذلك كلّه.

فإن قال قائل هذه صفات الحزبيّين والحركيين، وآثارهم السّيئة على الأمة والمجتمعات المسلمة، وهم يرفعون شعار: "التّغيير للأفضل" و"التّنوير" و"الإصلاح" و"العدالة" و"التّحرر" وغيرها من الشعارات المقبولة لدى عوامّ الأمة، فكيف السّبيل إذا إلى نفع الأمة والتأثير الحسن فيها من غير سلوك سبيل الحزبيين والحركيين، أو الانضمام إلى جماعات وفرق لها منهجها الخاص والضّيق؟ وما المنهج الصّحيح في الاشتغال بقضايا الأمة والعناية بشؤونها بعيدا عن هذه التّصنيفات؟

فالجواب أخي الكريم، أختي الفاضلة أنّ المنهج الصّحيح والمسلك القويم مسطور في كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا عليه أفضل الصّلاة وأزكى التسليم، قال جلّ جلاله: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنَّه مَن يَعِشْ منكم فسيَرَى اختِلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد.

فالإصلاح والتّغيير للأفضل شرطه الإخلاص لله تعالى في العمل والدّعوة إلى الله تعالى لا ابتغاء الأطماع، والمناصب، والأرباح، والثروات من وراء الدّعوة، والمشيخة، والقيادة، والثاني: المتابعة لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتّمسك بمنهاج النبوة في مسالك الدّعوة، وطرقها، وكيفيتها، هذا في أمور الدّين ودعوة النّاس إليه، وجمعهم على ذلك ترغيبا، وترهيبا، وأمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، وقبل غوض غمار هذه المسؤولية العظيمة لا بدّ للمتصدّر للدّعوة إلى الله  أو تعليم النّاس الخير وتدريس العلوم الشّرعية من الأهلية العلمية والأخلاقية، فيتدرج في مراحل طلب العلم حتى يبلغ فيه المكانة العظمى التي تؤهّله لتبليغه، ويأخذه عن أهله المعتبرين المشهود لهم بالأهلية في ديانتهم وتخصّصاتهم، ثم يتحلّى بأداب العلماء والدّّعاة الصالحين، فيمتاز بالرّفق في دعوته، وحسن الخلق، والحلم، وكظم الغيظ، والصّبر على الأذى، والتواضع، وقول لا أدري فيما لا يعلمه، والتأنّي في الجواب، ومشاروة من هم أعلم منه، وحسن الظن والعلاقة بالله تعالى ظاهرا وباطنا حتىّ يحمل همّ هذه الرّسالة العظيمة على أكمل وجه ويأتي بأحسن أداء، لا يشتغل بالنتائج فهي لله تعالى، بل يمضي على طريق البناء الصحيح، وتكون نيّته صحيحة في ذلك ومنهجه قويم، فذلك هو المطلوب منه، أن يأخذ بالأسباب المشروعة،

انظر تتمة المقال عند أوّل تعليق...