"خَاطِبُ نَفْسكَ"

ذاتَ يومٍ كنتُ في غياهبِ التفكيرِ، فخرجت ولا أعلمُ أين أذهب ولا لمن ألجأُ ولا لمن أشكي حالي ولوعتي؟ فجلستُ مع عجوزاً لا أعرفهُ ولا يعرفنيِ يقولُ هذا الرجل الذي بلغَ من العمرِ عتيا: ياولدي إن الدنيا موحشةٌ وغادرةٌ فلا تأمنن لها، إن كنتَ في رغدٍ من العيشِ فلا تأمنن غدرها، وإن كنتَ في ضيقٍ من نفسك فلا تخافنّ من شيء، فإن ضيقَ النفسِ هو أكبر مصيبةً ربما يصلُ إليها الإنسان، إذا ضاقت عليكَ نفسكُ تشعرُ وأن البشريةَ كلها تخاصمك، وتشعر أنك منبوذٌ بين الناسِ ولا أحد يحبك، ويبدأ إبليس دورهُ في اللعبِ بتفكيرك !

ارتحلتُ عن هذا العجوز وأنا انظر إليه قائلاً: لقد بلغَ هذا الرجلُ من العمر ما بلغ، ولقد مرَ بأوقاتٍ سعيدةٍ وأخرى تعيسةً لكنه هنا، هنا الان! لم تُؤخرَ سعادتهُ تقدمه بالعمرِ ولا أَنقصَ حزنهُ من عمره شيئاً، هو هنا الآن، هنا ! تذكرتُ قول الله عز وجل:" لقد خلقنا الإنسان في كبد" (البلد 4) قلتُ في خاطري يا فتى هذه جبلةٌ خلقها الله في عباده، فهناك أناسٌ مُعذبونَ بنعمهم وآخرون مَرْحُمونَ ببأسهم لتحمل ما ابتلاهم الله به.

عندما تخاطبُ نفسك تتجلى لك الحقيقةُ في أبهى صورها، يقول الله :" بل الإنسان على نفسه بصيرة....." (القيامة 14) أي لا أحدَ أعلمُ منك بنفسك، لا أبيكَ ولا أمكَ ولا كائنً كان أدرى بأموركَ منك، ثم يأتي الجزء التالي من الآيةِ الكريمةِ ليُخبرنا أن الضمير الحي واليقظ عندما يخاطب نفسه ويريدُ أن يصل للحقيقة فإنه يصل إليها دون نصبٍ ولا عناءٍ، يقول الله عز وجل:"... ولو ألقى معاذيره". حاول أن تخاطبَ نفسك في أمرٍ ما وهي ستُرشدكَ، نَفسُكَ هي ضميرك الحي الذي لا يؤذي ولا يضر، الذي إذا وقعَ في أحدِ هذه المُوبِقات لا يَفْجُرْ، كقول النبي في الحديث:"... وإذا خاصم فَجرَ" أما آن لك أن تتصور أن هذه الصِفةُ وحدها تُخرجكَ من درجةِ الإسلاميةِ إلى درجةِ النفاقِ، وما أعظمها مصيبةٌ، لقول الله عز وجل :" إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار..." (النساء 145) ألا ترى كثيراً هم اليوم الذين تجمعهم علاقاتُ مودةٍ ورحمةٍ وإذا حدثَ شيء ما، جلس الفُجْرُ هو السبيل، وأصبحت تجمعهم علاقات بغضٍ وكراهيةٍ لا متناهية، وهذا لا يُدلل على أنهُ هناك نهايات مثاليةٌ كثيرةٌ!

ألا ترى أننا أصبحنا في آخر الزمان، أصبح كل شيءٍ غريب، أنتَ أصبحتَ غريباً عن نفسك، ألا تتذكرَ منذُ عشرَ سنين أين كنت؟ ومع من؟ أصبحت الآن غريباً عنهم، وربما لا تلتقيهم للأبدِ، كم من الأماكن المحببةِ إليك التى لن تعود إليها مجدداً؟ كم من الأشخاص الذين كانت تربِطكَ بهم علاقةٌ لا نهائيةٌ، ثم انتهت لسبب أو لآخر؟ كم هي الأمانيَ التي كُنتَ تريدُ أن تَصِلَ إليها ثم تلاشت؟ أنت أصبحت غريباً عن كل هذا! كم قريباً عليك غادرك ولن يعد؟ حَبِيبُكَ الذي سَافرَ ولا تَعرفُ عنهُ شيئاً أيعودُ أم أنه وجدَ ضالةً أخرى! الشخصُ الذي يَنْتابُكَ الفزعَ لمجردِ شعوركَ أنك ربما تفقده ولا تعلم عنه شيئاً! حلمكَ الذي تركته خلف ظهرك، أنسيتهُ أم وجدتَ آخر...عندما يأخذني عقلي ويتجولُ بي في هذا المنطقة، أشعر أنها طامةٌ كبرى لمن يتدبر، يقول الله :"... أفلا يعقلون" (عدة آيات في سور مختلفة)

هذا حديثٌ دارَ في عقلي لبضع ثواني، وحدثتني به نفسي وأنا أتجول ولا أنظرُ لإحدٍ... يقول لي أحدههم: من الخطأ يابني أن تلجأ لِأحدٍ غيرُ اللهِ ولا تشتكي لسواه، فهو الذي أعلمُ بحالك من نفسك، وتُغمضُ عينيكَ وهو يُدبرُ لك أمركَ، فظُن خيرا بلله ياولدي، وسيرزققك بالتأكيد ما تظن، ولاتعجز.

وانتهي بقولي أنّ خِطابُكَ مع النفس بشكلٍ صادقٍ سيوضحُ لك أمورك كلها، وسيضعُ نُصبَ عينيك ما يجبُ عليك فعلهُ وما يجبُ عليك تجنبهُ، يقول فاروق الأمةِ عمر:" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم....