الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا، من هنا بدأ الشيطان مسيرته الإعلامية، وتم تحالف المال والقوة بين الطبقة العليا والقوة المسيطرة، فتوافقت المصالح في توجيه واستعباد الطبقة الأخرى، وتحديد مسارها في خط سير يكون تحت خدمتهم في كل وقت، والتأكد من وضعه داخل دائرة لا يستطيع الخروج منها، يظل يدور فيها إلى أن يتم استهلاكه بعد أن يكون ساهم في إخراج آخرين يكملون مسيرته مقتنعاً بأنه نجح في تحقيق سبب تواجده في هذا العالم.

وبما أن التلفاز في كل بيت، ذلك يضمن وصول ما يريدون بكل سلاسة ويسر، حيث كانت البداية في نشر عادات وتقاليد غريبة على مجتمعنا والعمل على تحسين صورتها ووضعها في إطار يؤكد صحتها وخيريتها، ومنها اختيار شاب وسيم، قوي البنية، يحمل شهادات ذات أسماء معقدة وثقيلة على اللسان، ناجح في عمله، مثقف يُتابع الأخبار العالمية، وبتلقائية يلقي كلمات انجليزية وسط حديثه، وامرأة حسناء ذات قوام ممشوق، اهتمت بنفسها جيداً، لا تختلف عن ذلك الشاب في شيء سوى أنها انثى، وبعض الكلمات الجميلة المنسقة، وفي الخلفية موسيقى هادئة ترتخي لها الأعصاب، وبإتقان تمثيل دور السعداء يكون الهدف قد أصاب مرماه.

وبعد ترسيخ الجديد يبدأ العمل على تشويه القديم وإزالته، حيث يتم وضع عاداتنا وتقاليدنا في إطار يؤكد ضررها على المجتمع، وإنها لا تصلح لهذا الزمان الحديث المتطور، ومنها اختيار رجل كبير في السن غليظ القلب حاد الطباع يجهل كل ما هو حديث، وإمرأة قبيحة المنظر، أهملت في نفسها، واهتمت بالتنظيف والطبخ، وأقل عقلاً من زوجها، وبعض الكلمات السيئة والموسيقى التي تصيبك بالتوتر والقلق حينها يصيب الهدف مرماه.

استطيع ان أؤكد لك ان المراحل السابق ذكرها تم تنفيذها جيداً، ومن لم يُصبه الهدف كان له نصيب منه، وكل مرحلة أكبر من التي تليها، حيث بدأت بصغائر الأمور إنتهاءاً إلى الكبائر.

وبعد ما أصبح المجتمع أرض خصبة نبتت فيها العادات الغريبة، تأتي المرحلة التالية وهي مرحلة الطعن، تبدأ من رجال الدين، ثم العلماء، وبعدها السنة النبوية وصولاً للطعن في الدين نفسه، لذلك تجد أن الطريق ممهد لكل من يشطح وينطح في الدين، وتذليل أية عوائق تواجهه، وتجهيز المحافل الإعلامية لإستقبال وتكريم كل من تجرأ على الدين، ومنحهم جوائز عينية ومالية لما بذلوه وقدموه من تشويه العلماء والأئمة وتجرأ على الدين، ووضع ميزانية ضخمة تُنفق على مسلسلات وأفلام وبرامج لترسيخ عادات وتقاليد غريبة.

وفي المقابل تضييق الخناق على أهل الدين والعلماء، والتخويف من اللحية والحجاب، وإقتصار الإرهاب في رجل الدين، صاحب الجلباب القصير، ذو اللحية الكثيفة الغير مهندمة، وحاجبيه الغليظين وبقعة سوداء في منتصف جبهته، ووجهه العبوس دائماً، والغضب الذي لا يفارقه، والخبث الذي يملأ عينيه، وتعصبه على ما هو حديث، ودائماً يُظهر حرفي الذال والقاف في حديثه، في الأخير التأكيد على ظهوره بصورة شيطانية ينفر منها كل عاقل.

وكلما صادفني الحال وشاهدت مقطع من مسلسل أو فيلم أشعر بوجود فجوة كبيرة بين ما يُنشر وما يحدث، دعك من الأمور السياسية فذلك أمر قد يصيبك بالجنون، إنهم يقصون علينا واقعنا من منظورهم، وبكل وقاحة يغيرون ويبدلون فيه على هواهم، وما علينا سوى التصفيق والانبهار من براعتهم، ولا مجال لنا إلا الإيمان بنظرتهم العظيمة، وأن نصدق قصتنا التي لم نحياها، ونُكذب حياتنا التي نعيشها، كيف لرجل صاحب مصلحة له منظور وإيمان غربي أن يكتب قصة حياة رجل شرقي من الطبقة الثانية !!

ومن باب الحق أقول أن هناك القليل والنادر من البرامج والمسلسلات والأفلام قد تجد فيه ما يفيد، ويقدم ما فيه نفع للناس، ولكنه كالخمر ضره أكثر من نفعه، لهذا كان تحريمه أولى من إباحته واجتنابه خير من تعاطيه.

ومن العجز أن يفقد الانسان شيء فيبحث عنه عند غيره أولاً، بدلاً من أن يبحث في ذاته وأصله، ويسعى للوصول إلى نفسه لا إلى غيرها، حيث كان الاتجاه للغرب هو اتجاه العاجزين، اتجاه ذات نظرة جهل قصيرة ومادية، فبالرغم من التقدم الغربي الذي نراه من بعيد جداً إلا أنه يعاني التفكك وتدهور العلاقات فيما بينهم، والجفاء الشديد في المعاملات، وذلك من عاداتهم وتقاليدهم، حيث لديهم منهج شيطاني موضوع للحرية، حرية الفكر الملحد، وحرية العقل المخدر، وحرية الجسد الجنسي، فبقي الجسد وشهواته وذهبت الروح وفضائلها، وللأسف فشلنا في نقل تطورهم ونجحنا في نقل عاداتهم وتقاليدهم.

في كل يوم تزداد الغرابة والبعد بين الطبقتين، وتكبر الفجوة وتتسع كل يوم عن سابقه، فجوة يسعون بكل قوتهم في اتساعها، فليست هذه لغتنا التي نتكلم بها، ولا هذه الملابس التي نرتديها، وما كانت هذه أخلاقنا التي تربينا عليها، وليست هذه النساء نساؤنا، ولا هذه البنات بناتنا، ولا نعلم من أين جاءوا بهذا الدين الذي يتحدثون عنه، جاءوا بأعراف وعادات وتقاليد لم نسمع بها من قبل، إنها عاداتهم وتقاليدهم التي يريدوا أن يفرضوها علينا دون حول منا ولا قوة.

في الحقيقة إننا الضعف الذي زادهم قوة، إننا الفقر الذي وُجد ليغتنوا، إننا المرض الذي يؤكد على صحتهم، إننا الأصوات التي تثبت نجاحهم، إننا المتابعين لهم، إننا المطحونين في الساحة لينعموا في قصورهم، إننا العسكر في لعبة الشطرنج، إننا الدَّرج الذي يصعدون عليه، إننا أرقام لتكتمل أسماءهم، ونحن التروس التي تسحب ليصل المال إليهم، إننا الثور الذي يجر العربة ليحمل متاعهم، إننا العجلة التي تدور في المصنع ليغتني أصحابه، إننا لاشي وهم كل شيء.

في الأخير لا سبيل سوى الصمت والتقرب إلى الله في هدوء، حيث أصبحت المواضيع كمنطقة ألغام، ما إن تطأ قدمك فيها فلا تدري أي الكلمات تلامس لغماً فينفجر في جسدك، وربما القيت كلمة أطاحت بك في غيابات الجب، فبات الحذر عنصر دائم في كل حديث، داعين الله حفظنا من الظالمين وأهلهم وحفظ بلادنا من كل مكروه وأن يجعلنا في المقدمة ويرفع عنا الغلاء والوباء والحمد لله رب العالمين.