مساء الخير...

منذ أن ظهر الإنترنت في حياتنا والعالم تغيّر حرفيًا... أصبح العالم قرية صغيرة كما يُقال.. بواسطة سلك كهربائي بسيط، أستطيع بعدها أن أرى العالم حولي.. بضغطة زر واحدة أستطيع أن أتحدث مع صديقي الذي يبعد عني بأميال وبلاد، وأتعرف على ثقافات أخرى، وحضارات أخرى من مكاني هذا!

لا نستطيع إنكار أن لكل شيء مميزات وعيوب، والإنترنت عيوبه كثيرة ربما نفرد لها مقالًا آخر.. لكننا هنا لنتحدث عن الجانب المشرق الذي يغفل عنه كثير من الناس ولا يهتمون به... وهو التعلم عن طريق الإنترنت.

منذ اكتشافي لهذا العالم وأنا مهووس به كثيرًا... ربما لأنني وجدت فيه ما لا يمكنني تعلمه في المدرسة... مهارات ومناهج وعلوم يمكنني أن أتعلمها بضغطة زر واحدة... وأنا الذي أحدد ماذا سأتعلمه.. وكيف سأتعلمه.. وأي استراتيجية سأتبع.. وأي طريق سأسير.

في كتابي (حكمة وعمل) الذي نشرته قبل عدة أشهر.. تحدثت فيه بشيء من التفصيل عن التعلم الذاتي وفكرته... وكانت الحكمة هي استشهادي بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام "إنّما العلمُ بالتعلم، وإنما الحِلم بالتحلُّم". وذكرتُ فيه بعض الأسباب التي تجعلك تتعلم وبعض مصادر التعلم... يمكنك الرجوع لهذا الجزء من الكتاب وقراءته كاملًا.

في ظني أن التعلم الذاتي ليس وليد اللحظة بل هو قديم قدم الإنسان ذاته... وإنما ازدهر في هذا العصر نتيجة لتطور الأدوات وتعدد الوسائل والمصادر..

ما يشغل بالي أثناء كتابتي هذا المقال هم أناسٌ مثل ابن سينا وابن خلدون وابن الهيثم ومثلهم من العلماء... كل واحد منهم ازدهر وأتقن أكثر من علم واحد... فعلوا ما نراه صعبًا بل مستحيلًا في زمننا هذا... أسأل نفسي تُرى لو كانوا يعيشون في هذا العصر بهذه الهمة.. فماذا سيفعلون أكثر مما فعلوه... تُرى هل سيتقنون علومًا أكثر وينتجوا كتبًا أكثر... أم سيُفتنون كما فُتِنَّا نحن بلعنة التشتيت ومواقع التواصل... حتى أصبح الواحد منا لا يطيق الجلوس لربع ساعة لقراءة كتاب أو دراسة دون التقاط الهاتف وتصفح مواقع التواصل وحساب الفيسبوك والواتس آب.... والدليل على ذلك أنَّ بعض من يقرأ هذا المقال قد تركه بعد قراءة سطر أو سطرين... رغم أن القراءة كلها لن تستغرق أكثر من خمس دقائق فقط... نعم.. كلنا كذلك يا صديقي... لقد طُوّعت أدمغتنا وعقولنا لهذا الأمر... وإن لم تكن كذلك فأنت والله في نعمة!

..

حسنًا... ربما تسألني الآن: من أين أبدأ؟

هناك الكثير من المواقع التي تتيح العديد من المساقات لتعلم أي شيء تقريبًا... منها المجاني والمدفوع... مواقع عربية مثل (رواق) و(إدراك).... وأخرى أجنبية مثل (Udemy) و (coursera) ومواقع أخرى كثيرة.. اسأل نفسك ماذا تحب تعلمه وابحث عن مساق له في هذه المواقع وبعد رحلة من التعلم ستستطيع أن تتقن هذه المهارة وتكسب بعض المال بها وربما تكون مصدر دخل إضافي لك في المستقبل... وأرشح أن تبدأ بمساق (تعلم كيف تتعلم).. هو مساق باللغة الإنجليزية متاح مجانًا على موقع (coursera)، سيعلمك بعض الطرق والاستراتيجيات التي تساعدك أثناء رحلة التعلم... هناك ملخص له على قناة (دروس أونلاين) أنصح كثيرًا بمشاهدة... اضغط هنا للمشاهدة.

أيضًا هناك كورس على قناة (علي محمد علي) تحت اسم (التعلم الذاتي الفائق).. الكورس نُشر حديثًا... وأرشحه كثيرًا للمشاهدة... اضغط هنا للمشاهدة..

بهذين المساقين تكون قد خطوت خطوتك الأولى يا صديقي في رحلتك للتعلم.. وأراها بداية جيدة جدًا..

حتى لا أطيل عليكم... بقي الآن بعض النصائح من تجربتي أثناء رحلتي في التعلم أُذكر نفسي بها وأذكركم:

1-الإخلاص في النية حتى تُثاب وتُطرح لك البركة في وقتك.

2-حاول التركيز على مصدر أو مساق واحد فقط أثناء التعلم.. ولا تنتقل إلى مساقٍ آخر حتى تنهي ما قبله.. ولا تغتر بكثرة المصادر حتى لا تتشتت.

3-إنجاز صغير كل يوم يحقق الإنجاز الكبير... إذا كنت مشغولًا فحاول توفير القليل من الوقت واستمر عليه يوميًا... فالاستمرار هو أساس الموضوع كله... فكر لو خصصت ساعة واحدة فقط في مجال تحبه... تُرى كيف سيصبح حالك بعد ستة أشهر مثلًا... وكيف ستصبح خبيرًا في هذا المجال والمتفوق بين زملائك... تبدو فكرة رائعة أليس كذلك؟

4- الصبر ثم الصبر ثم الصبر... لن تتقن أي علم في يوم أو يومين، ولابد أن تتعب قليلًا حتى تحصد الخير الكثير... فلا يُستطاع العلم براحة الجسد!

5- وأخيرًا.. حاول التغلب على إدمان الهاتف وتصفح مواقع التواصل.. وأعطِ كل شيء حقه... ولا تسمح لها بأن تقتحم يومك وتُلهيك عن مهامك... سأدعك تبحث بنفسك عن كيفية التغلب على إدمان الهاتف.. حتى تُنمي مهارة البحث عندك... ستفيدك هذه المهارة كثيرًا.

إذا وصلت لهذا الجزء من المقال فأنت بالفعل لديك قدرة الصبر على القراءة والتعلم... ومع المزيد من التدريب سيصبح الموضوع سهلًا إن شاء الله..

وأخيرًا... سامحوني على الإطالة... أتنهّد تنهيدة طويلة.. وأنتهي من هذا المقال..