مساء الخير..

هذا مقال أوضح فيه استيائي من التلفاز، هذا الصندوق الصغير الذي مكنك أن ترى العالم كله من خلاله والعبارة الأدق أنه كان كذلك بالفعل وأمّا الآن فحدّث ولا حرج!

من وجهة نظري البسيطة أرى أن العلاقة بين محتوى التلفاز والتلفاز ذاته هي علاقة عكسية، كلما ازداد تطور التلفاز وصناعته.. كلما ساء المحتوى، فقديمًا كان حجمه صغيرًا جدًا، وجودة الفيديو والصوت متواضعة جدًا، ولكن المحتوى كان قيّماً جدًا وأكثر من رائع، مثل برنامج العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود، وتفسير الشعراوي للإمام محمد متولي الشعراوي، وبرنامج عالم البحار للدكتور حامد جوهر، وبرامج أخرى مفيدة...

حتى معظم الأعمال الفنية التي كانت تُعرض وقتها كانت لا تخلو من قيمة تُقدّم للناس.... أتحدث عن الأعمال التليفزيونية وليست السينما!

لك أن تتخيل ماذا يحدث للطفل الذي تربى على هذا المحتوى وتكرر أمامه كثيرًا طوال حياته حتى لو لم يكن منتبهًا له، ولكن مع كثرة التكرار حفظه العقل، وكيف ساهمت هذه البرامج في تكوين ثقافته وتشكيل وعيه، فقد كبر الطفل وصار مدرسًا أو موظفًا أو طبيبًا، أياً كان تخصصه ولكن لديه معرفة -ولو بسيطة- بالعلوم الأخرى، والقليل من تفسير القرآن، والقليل أيضًا من عالم البحار وعالم الحيوان.

للأسف لم أعاصر هذه الفترة التي شهدها التلفاز، بل وُلدت في الفترة الأخرى التي ازدهرت فيها صناعة التلفاز وتقدمت التكنولوجيا، وظهرت تقنية ثلاثي الأبعاد، ولكن للأسف بدأ منحنى المحتوى في الهبوط والتدهور، فقد مات الشعراوي والدكتور مصطفى محمود وأمثالهم، لوم يظهر من يتسلم الراية من بعدهم، وصارت معظم البرامج ترفيهية من النوع الساذج لاستضافة هذا الممثل وذاك..

وأما الأعمال التليفزيونية فأسوأ، هي قصة واحدة تتكرر في كل الأعمال وكل السنين، من أول حلقة من المسلسل ستستطيع التوقع بما سيحدث بعدها، ومن سيكون المجرم في النهاية، كلها قصص متشابهة باختلاف الأسماء.

هناك البيت العائلي الذي لن تجده في أي مكان عدا التلفاز، لا بد أن يكون هناك قصة حب تواجه الأزمات ولا يستطيعون الزواج من سُكات، هناك أيضًا العائلة الصعيدية الذي لابد أن يكون كل رجالها بشارب، لو فكرت حلق الشارب فأنت العاق فيهم، والمنبوذ في هذه العائلة هو من وُلد أملسًا! ولا بد أيضًا أن يكون هناك مشكلة ثأر بين عائلتين وحرب الدماء، وتبدأ المسرحية الشهيرة عندما نجد شابًا من إحدى العائلتين يغرم بفتاة من العائلة الأخرى.

وبالطبع هناك المتدين الشرير، أو الشرير المتدين حسب ما تسميه، لتكتشف أن الشيخ الذي ذهب لصلاة العصر في الحلقة الثالثة.. هو نفسه الإرهابي الخطير الذي يريد تفجير الناس والكوكب والمجرة بأكملها دون سبب مقنع لهذا.

بالطبع يوجد بعض الأعمال المختلفة والتي تقدم فكرة جديدة، ولكنها كالنقطة في المحيط... لا تُرى بالعين المجردة!

هذا طبعًا غير الإعلانات، والتي تحدثت عنها في مقال منفصل الأسبوع الماضي، وقلت أن التلفاز قديمًا كان يحتوى على برامج يتوسطهًا فواصل إعلانية.. وأما الآن صار فواصل إعلانية يتوسطها برامج تليفزيونية!

وهذا يقودنا إلى مشكلة أخرى، وهي اتجاه معظم الناس إلى الدراما الأجنبية مما يجعلهم متأثرين بأفكارهم التي بعضها يعارض أفكارنا نحن العرب والمسلمون... وبالتالي تحدث حالة عامة من الانحلال الأخلاقي.

أتذكر الآن اقتباسًا من الكتاب الفكاهي "فقاقيع" للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله، حيث تطرق في أحد مقالاته للحديث عن التلفاز ويختم المقال ويقول: "وبما أن أولادي لا يكفون عن مشاهدة هذه الأفلام والاستمتاع بها للمرة الألف، فليس عندي تفسير سوى إنني غبي أنجب عباقرة، أو عبقري أنجب أغبياء. الاحتمال المخيف أن نكون جميعاً أغبياء ونحن لا ندرك ذلك، ويكون العبقري الوحيد هو جاري الذي أقلع نهائيًا عن فتح جهاز التليفزيون. لا لم يبعه لأنه ما زال يجده مفيدًا كمنضدة يضع عليها النظرة والساعة عندما ينام!"

ربما سيكون هذا هو الحل الأسلم في هذه الحالة، والعبقري هو من شغل نفسه بتعلم علم نافع أو عمل مربح عوضًا عن ذلك، خصوصًا في ظل وجود وسائل أخرى مثل اليوتيوب والمنصات الأخرى، التي تعطيك رفاهية اختيار أي شيء تريد مشاهدته في أي وقت وأي زمان، فيمكننا الآن اختيار ما نغذي به عقلنا سواء مواد علمية أو حتى برامج ترفيهية، بالطبع سيكونون أفضل من التلفاز.

وأخيرًا.. عقلنا يتأثر بما نراه أمامنا ويتكرر يوميًا أمام أعيننا، ويقوم بتخزينه في اللاوعي ثم ينعكس على أفكارنا ومعتقداتنا حتى أبسط أفعالنا اليومية، فكن حريصًا على ملأه بما سيفيدك... وانتقِ ما تشاهده!

وإلى مقالٍ آخر إن شاء الله..