بعد ذهابي لأكثر من مكتبة لتصوير بعض الأوراق المهمة، عثرت على مكتبة صغيرة منزوية، وبداخلها كان يقبع صبيا صغيرا سألته عن سعر تصوير الورقة الواحدة، فلما أجاب بأنها بنصف جنيه، سعدت لذلك كثيراً، فأنا أعلم أن غيرها من المكتبات تقوم بتصوير الورقة الواحدة بضعف هذا الثمن، فدخلت المكان برغم أن صاحبه قد أغلقه بدولاب زجاجي يعرض فيه بضاعته، والحق أن فرحتى لم تكتمل عندما رأيت صاحب المكان، فبرغم أنه كان يبدو عليه سيماء الرجل المسلم، فلديه ذقن كبيرة، ويرتدى جَلاّبيّة، ولكنه كان خشنا جافا، يتكلم بحدة وغلاظة، والعجيب أننى وجدت أوراقى بين يديه يتصرف فيها كيفما يشاء، فهو يقرأ ما فيها ثم يضحك، ولا ينتبه لما أقول، ولا يعيره اهتماماً، بل يفرض رأيه هو، وشرع يطلب منى أن أعود بعد ساعة لأستلم ورقاتي، ولما رفضت لحرصي الشديد عليها، قال لى بصرامة:

إذن اتركى الأوراق وانتظرى خارج المحل!

ولما رفضت أيضاً، أعطاني ورقاتي بغباء شديد، فأخذتها وأنا متأسفة على هذا الحال!

فإن المرأة التى كان تُكثر من عباداتها، ولكنها تؤذى جيرانها، قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها فى النار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ فُلَانَةَ - يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا - غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟ قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ .

قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَإِنَّ فُلَانَةَ - يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا - وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟ قَالَ : هِيَ فِي الْجَنَّةِ )

رواه أحمد في "المسند" (2/440) وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (3/321) ، والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/190).

فلا شك أن من أعظم المشكلات التي يعاني منها الكثير من المسلمين اليوم هو ذلك الفصام بين جانبي العبادات والأخلاق ، حيث أصبحت العبادات لديهم أشبه بالعادات التي تؤدَّى بأشكالها دون العناية بآثارها في النفوس والقلوب، فهذا الذى يصلي ويرتدى رداءا إسلاميا، ولكنه صَلِفٌ، متعجرف، متكبر، والواجب عليه أن يجاهد نفسه ليصلح قلبه، فينصلح سلوكه، فقد ثبت عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ".

فما تقوم به الجوارح من خير أو شر إنما هو نتاج ما وقر في القلب.