لا أعلم لِمَ ينتفض الناس عندما يدعوهم أحد للتبرع لأحد المساجد التي تُبنى حديثًا أو يُعاد بناءها أو ترميمها؟ مبانٍ فخمة ومآذن عالية وسجّاد لامع بالشيء الفلاني وكهرباء ورُخام وصنابير وتزيين للقبلة وكلها تكلفة من أجل ساعة ونصف فقط ف اليوم، يُفتَح الباب .. يؤذن المؤذن وأحيانًا يُشغّل المذياع على الأذان ثم يطفئه .. عشر دقائق إقامة صلاة ثم يُغلَق كأنه مبنى مهجور لا يقربه أحد.. وهذا في حالات الفروض فقط أما النوافل فالأفضل –كما قال شيوخ الأوقاف- أن يصليها المرء في بيته كالتراويح والتهجد وصلاة العيد إن أخذنا بالرأي أنها سنة وغيرها من النوافل.. إذًا فما هي مهمة المساجد إذًا؟ الفروض؟ فقط! خمس صلوات ف اليوم والليلة ندفع من أجلها ملايين الجنيهات هنا وهناك؟! أين العقل السليم؟ لقد فتّحت قرارات الأوقاف الأخيرة أعيننا على أمورٍ لم نكن نعلم عنها شيئًا، أو كنا غارقين بدون التفكير بشكل جدّي فيها؟ ما جدوى كل هذه الأموال التي تُنفَق على ساعة ونصف ف اليوم وتُترك المستشفيات والجمعيات الخيرية ودور الأيتام ودور السينما وحفلات عمرو دياب في الساحل والتجمع من باب الترفيه عن النفس! أليس منكم رجل رشيد ينهى عن هذا المنكر الأليم الذي يُعشّش في بيوتنا؟! نحن منساقون وراء العواطف ولا نُحكّم عقولنا أبدًا ..

 أي رجل يعتلي المنبر ويقول لكم تبرعوا لبناء المسجد تهرعوا تحت أقدامه ولا تسألوا أنفسكم ما دور المسجد أصلًا؟ أهو مكان لتنشئة الطفل على حفظ كتاب الله ودراسة سنة رسوله والفقه وبقية الأمور التي يُستدام بها شرع الله في الأذهان؟! لا .. إنهم يطردون الأطفال في المسجد شر طردة مع بعض السُباب والتوعّد؛ لأن الأطفال لم يعودوا أهلا للمسجد بعنفهم وسُبابهم ولعبهم ولهوهم. فالشارع أولى بهم بالطبع. إذًا فهو مكان لإلقاء الموعظة الحسنة ومناقشة قضايا تخص وتشغل الناس في محيط المسجد! لا .. يُسلّم الإمام من هنا وتُغلَق الأبواب من هنا، والخطبة موحّدة والحمد لله. ثم ما الضامن إن فُتِح الأمر للمناقشة ألا يكون هناك عناصر شبابية متطرفة مدسوسة هنا وهناك تُشعِل الفتنة بغضبها وتتشدّد في أمور الدين بحماسها وتشدّد على الناس دينها بغلوّها! اطردوهم مع الأطفال في الخارج.. فمكانهم الطبيعي هو المكان الذي استقوا منه التطرف والعياذ بالله. واجعلوا المساجد لصف العواجيز الأبرار. الذين استسلموا للسلامة، وآثروا الصفاء والنقاء والبشاشة والوداعة والتجهّم والاشمئزاز من الشباب والأطفال معًا، وصفقوا لكل الأوامر الحكيمة وأطاعوا جميع القرارات السليمة وهلّلوا لمن يستحق التهليل في رأيهم الحصيف.

 ثم ، بعد كل ما يحدث، أرى بدلًا من غلق المسجد بلا فائدة أو الاقتصار فقط على ساعة ونصف من صف العواجيز أن نستثمر هذا الوقت في أمور أخرى أشد أهمية، ما الضيْر لو جعلنا من المسجد استثمارًا بدلًا من وجوده هكذا كمبنى أصم إلا في وقت الصلوات؟ أرى أن نفتح ساحات المساجد للتُجّار كي يبيعوا فيها ثمرة البطيخ. هذا اقتراحي، إنها الثمرة الوحيدة التي يُعبّر الجميع عن اهتمامهم بها في هذا الوقت، وربما يضعونها شعارًا للمرحلة من فرط الاهتمام بالعيْشٍ في مياهها. أظن أنها فكرة استثمارية جبّارة، أظن كذلك أن هناك مسوّغ ديني لذلك .. بالتأكيد.